عزيزي أمبيرتو
كما المتوقّع؛ من المفترض أن يحوي ما أكتبه جرداً لما حدث في الشهور السابقة والمأمول منه في الشهور القادمة، عليّ عرضه أمامك كما السنوات السابقة التي اعتدنا فيها اختصار كل الشهور. عادتنا الأزلية في اختصار كل شيء، الفرح المخبّأ في الشفاه، الدمعة المحتقنة على أطراف الجفون، الأغنية التي نرددها سكوتاً كلما التقينا على تلك التلّة. سيكون من الأجدر لي أن أسألـنـي: لم؟ ما الذي يحدث بعد الجرد؟
بصراحة؟ ستكون الإجابة: لا شيء حقيقي.
كل المخططات سأكتبها بحماسة العام الجديد، وقائمة الأمنيات سأنفث فيها شيئاً من أمل الأيام القادمة، وسأستمر في تضمين الصغيرين قائمة أحلامي كما أفعل في السنوات الأخيرة، حتى لا أُوْصَم بأنني أم ساهية. كل ذاك سأنساهُ في اليوم التالي، سنقلّبه معاً، ستعاتبني لأنني أعِد نفسي وأنسى كالعادة، وسأتحسّر على نفسي لأنني لا أعرف كيف أمنح نفسي ما أريد. وسيزعجك الأمر برمّته لأنني سأحوّل لقاءنا إلى نكدٍ نحن في غنىً عنه. وعليك في كل مرة أن تذكّرني أنني أفضل، وأنني أقدر على تنفيذ وعودي، وأن أمنياتي ليست صعبة. فقط عليّ التركيز أكثر والعمل بجدٍ أكثر لأُرضِي نفسي، وهو ما لا أنتبِه له أصلاً!
ربما كان من الأجدر أن لا أفعل في الأساس؛ هكذا راودتني نفسي ليلة الأمس قبل أن يحِنّ عليّ النوم ويؤاخيني. وهو ما حدث كذلك حينما خرجت من مكتبتي kinokuniya و MPH دون أن أجِد التقويم/ الرزنامة الجدارية –غير الإعلانية– المرسومة في مخيّلتي. كل الذي وجدّته إما مُذكّرات وأجندات صمّاء أو طفولية أكثر من اللازم، ورزنامة مكتبية رسمية جداً وبلون قاتمٍ لا يناسبني. حين أطلْت البحث؛ سألت نفسي: لمَ أبحث؟ كم هي المرّات التي قلّبت فيها رزنامة ما ووضعت X على مربع منها حين تمام اليوم، أو كم مرة بحثت عن مناسبة/ موعِد مهمٍ فيها؟
بصراحة –مرة أخرى – ولا مرة!
في الشهور الأخيرة يا صديقي ما عدْت أهتم لأحداث كثيرة، والمهمّ –جداً– منها يوثّق في رزنامة جوجل أو هاتفي المحمول لا أكثر. عليّ الاعتراف هنا أنها طريقة أفضل من ناحيتين: الأولى أنها مساهمة في التقليل من استخدام الورق والذي يعني قطع أعداد أخرى من الأشجار، والثانية: أنها توفّر عليّ جهد إعادة تدوين المناسبات السنوية كأعياد الميلاد كل سنة. وبالطبع؛ فهناك منبّه صوتي لاقتراب الموعِد أختار نوعه حسب ما أريد. المرات القليلة التي كنت أستخدم فيها مذكّرة ما بشكل حقيقي كانت في الفترات التي أذهب فيها إلى مقاهي DÔME وأُشغِل نفسي بالورق بدلاً من المارّة –كتلك المرة التي التقيْتُك فيها– ومرات أخرى استخدمتها لكتابة نقاطٍ مهمة من محاضراتي الأخيرة.
وبما أنّ الحديث تطرّق إلى محاضراتي؛ عليّ الاعتراف –مرة أخرى– أنني لم أستسِغ بعْد كوْني “أدرس”، على الرغم من أنني أنهَيْت المادة الثانية وتبقّت لي أربع مواد أخرى بواقع خمس/ ستة أسابيع لكل مادة. مع هذا؛ استمتعت بدراسة المادة الثانية التي أنهَيْتها الأسبوع الماضي والتي كانت عن تطوير المشاريع والمؤسسات التجارية. كان علينا خلال 3 أسابيع “اختراع” شركة كاملة وكتابة دراسة عمل للمجال الذي ستدور فيه، بالإضافة إلى اختيار شريك وطريقة الشراكة، الميزانية السنوية، طرق التسويق…. الخ. لم أُنشئ شركة كما هو المطلوب، بل حرّفته إلى تأسيس منظمة بدأتها مؤخراً.
دعنا من كلام الجِدّ هذا
أحتاج إلى شيء ما يهزّ دواخلي لأشعر بالحياة يا “أمبيرتو”. شيء ما يُلفِت نظري لتفاصيل مهمة حولي لا أنتبِه لها غالِباً. ربما أحتاج إلى تغيير روتين الشهور الستّ الأخيرة، تغيير الأماكن التي أرتادّها عادة، والوجوه المتكررة طِوال العام. تقترِح عليّ أن أذهب إجازة؟ ليت! لن أعترِض بالتأكيد. لكن جدول المهامّ لا يبشّر بفراغ يؤهلني لأختفي عن العالم يومين. هل جرّبت الاختفاء عن الأنظار يوماً؟ مازالت الفكرة تراودني حتى الآن. أريد أن أسكن مدينة أكون فيها غريبة تماماً عن ساكنيها لأسبوع على الأقل. سأرتدي حينها قناع السائح الضائع، ولن أخجل عن السؤال عن أي شيء حتى لو كان سؤالاً عن مواعيد الحافلات المكتوبة في الجدول أو البحث عن مقهىً ومكانٍ مناسِب للتسكع. سأرتاد مسارحهم وصالات السينما وأبتاع تذكارات السوّاح من أسواقهم الشعبية.
ماذا بعْد؟ ما الذي تحدّث فيه نفسك في ليلة كهذه؟ نسيت.
حسنٌ.. ربما يجدُر بي “استعراض” آخر جنونيّاتي! في الشهور الأولى من 2010؛ افتعلت مشكلة مع البنك الذي كنت أعمل فيه لأستقيل بأقصى سرعة. لم يكن لديّ الاستعداد لانتظار 3 أشهر بعد قبولهم لاستقالتي، ومن تلك المشكلة المفتعلة التي تطوّرت لتصِل إلى إدارة الموارد البشرية طلبت الإسراع في قبول استقالتي حتى لا أسبب مزيداً من المشاكل. كانوا في كل المرّات يخبرونني أن ما أفعله الآن لا يعدّ من صالحي لأنه سيؤثر على ملفّي الوظيفي مستقبلاً، وقد لا تقبل بنوكٌ أخرى بتوظيفي. كانت الإجابة الباردة: ومَن أخبركم أنني سأعمل في بنك بعد الآن؟ انتهت الأمور على إنهاء كافة مستحقاتي خلال أسبوعين و إعطائي 5 أيام أخرى للراحة قبل بدء العمل في المنشأة الأخرى.
هذه المنشأة التي أعمل بها الآن لستة أشهر؛ كانت بدايتي للخطوة التي “رسمتها” منذ 10 سنين! تأخرت؟ ربما. لاحظت أنني منذ بدأت العمل فيها أصبحت أقلّ إرهاقاً –جسدياً ونفسياً– وهو ما خوّلني لبدء الدراسة والانخراط في أمورٍ أخرى جانبية. الجميل فيه أنني لا أحتاج إلى التعامل مع الغرباء بشكل يومي، كل ما عليّ فعله هو متابعة الأحداث السياسية اليومية والكتابة عنها. حسناً؛ ليس بالأمر السيئ على كل حال، أكون طِوال اليوم على علمٍ جيد لما يحدث داخلياً و خارجياً، وهو جزء من حياتي اليومية ومن اهتماماتي الحقيقية، والمضحِك أنني أصبحت أهتمّ بكل شيء حتى أخبار الرياضة. آليّة الكتابة الرسمية لديّ تحسّنت بشكل ملحوظ؛ كنت أعيد النظر في المراسلات والمذّكرات الرسمية التي كتبتها في الشهر الأول من عملي وأقارنها بالشهر الأخير، هناك فرق شاسع، والقلم الأحمر آخذٌ في الاختفاء. الشيء الوحيد المزعج، أن عليّ كتابة مراسلات لها علاقة بالأرقام والإحصائيات والدراسات المترابطة، هذا يعني في فترات كثيرة الاسترسال في قراءة إحصائية ما وربط موضوعها وتكدسّ العمل.
هل لي أن أسألك يا عزيزي؟: هل تعرفون ما هو “التسهيل الكمّي/ Quantitative Easing”؟ أحد حسنات العمل الحالي أنني بحثت عن هذا المسمى الاقتصادي ومعناه، ووجدت شرحاً جيداً له على ويكيبديا الإنجليزية. لمَ لا يقوم أحد الاقتصاديين العرب بشرح هذا النوع من المفردات وكتابتها على ويكيبديا العربية؟ هم يستخدمونها كذلك بهذا المصطلح المعرّب في كثير من مقالاتهم ودراساتهم لكنني لا أدري هل يفهمونه –حقيقة– أم لا. قررتُ بعد البحث أن أُترجِمها وأُلحِقها في ويكيبديا العربية، هذه الفكرة تراودني منذ مدّة، وكالعادة؛ ستظلّ حبيسة رأسي حتى أُرهِقك بالسؤال عن معناها.
بعيداً عن حكايات العمل ومللِهِ في أحيانٍ كثيرة. ربما يجدر بي إخبارك عن رحلتي الليلية الوحيدة التي ذهبت فيها إلى مرتفعات جبلية قريبة مني. كان جنوناً حقيقياً لهذا العام لأنني فعلتها في منتصف الأسبوع، وفي وقت متأخر، حين هاتفت سائقي في العاشرة والنصف ليقلّني بعد نصف ساعة إلى هناك. كان الضباب يملؤ المكان والجو باردٌ يا صديقي، لكنها كانت فرصة جيّدة لأرتدي السترة البيضاء الطويلة والحذاء الأسود ذو العنق الطويل. جلستُ ساعتين عند تلك الحديقة التي تطلّ على المنحدر، ألْقَيت نظرة للأسفل ولم أرَ سوى هاوية سوداء ممتدة أمامي، ومعي كوب القهوة وشيء ما يحترق بين إصبعيّ. حين أخبرت أحدهم عن تلك الرحلة (هل تسمى رحلة؟) القصيرة سألني: لمَ؟ هل كنتِ ستلقين نفسكِ في الهاوية؟. تخيّل؛ نسيت أن أسأل نفسي ذات السؤال! ونسيت في الأساس لمَ فعلت ذاك، ولا أدرِ لمَ لمْ تخطر عليّ فكرة إلقاء نفسي ذلك الوقت. هل ينسى أحدنا أن ينتحر؟ كيف يقرر المنتحِرون أن يُنْهو حياتهم؟
أريد أن أقضي أسبوعاً على البحر في فترات متفاوتة هذه السنة أيضاً يا عزيزي. ما رأيك أن نستأجر مسكناً بالقرب من البحر ونذهب إليه كل شهرٍ مرة؟ قالوا لي أن البحر في إيطاليا عميق! هل هو امتداد للمحيط كما بحارُنا؟ ستسألني: أي بحر؟ اممم لا يهم، كل البحار واحدة، أليس كذلك؟ المهم أنني أريد أن أدفِن بشرتي في الرمال البحرية، أريدها أن تتشرّب الماء المالِح حتى تغرق للنهاية. أعلم أنك تنزعج مني كلما بحثنا عن مكانٍ جيدٍ للسباحة بدون الطحالب والأعشاب البحرية التي تُرغِمني على الصراخ وإلفات نظر الآخرين لنا. هل لديك اعتراض على كوني مدللة؟ سأسأل حينها عن أقرب الشواطئ وأختار زورقاً صغيراً يكفينا نحن الإثنين، سأتغاضى عن تذمّرك بأنك وحدك مَن يجدّف. هل تساءلت لمَ نختار
