كنت أحتاج إلى الهروب من كل ما يعلّقني بالمدينة، من الإشعارات المتتابعة وضجيج الشوارع ودوّامة الأيام التي لا تتغيّر. هناك، وسط هذا الازدحام، بدأت فكرة العزلة في جزيرة لنكاوي تكبر في رأسي كنداء خفي. لم تكن مغامرةً سياحية، بل رغبة في أن أختفي قليلاً عن كل ما يشتّتني، أن أجرّب الصمت كعلاج، وأن أرى إن كان البحر قادراً على ترتيب الفوضى التي في داخلي. أردت أياماً أعيش فيها ببساطة، أستعيد فيها نفسي من بين أصوات المدن.
عرفت أن الفكرة تبدو مبالغة — أنا التي أخاف الحشرات والتي ألفت الطوابق العلوية — لكن الخوف من الضجيج كان أكبر. احتجت أن أختبر إن كانت البساطة تكفي لتجديدي، فأقدمت على الرحلة.

جزيرة تهمس بالسكينة
اخترت لنكاوي لأنها تحمل ظل طفولتي وألفة قديمة. زرتها لأول مرة مع والدتي في الحادية عشرة، وصارت ذكرى تتكرر بوجوه مختلفة. في رحلتي هذه لم أرد التصنع أو البحث عن مشاهد بصرية مثيرة، أردت أن ألتقي بصوت الجزيرة بعينين صادقتين. تركت شاطئ تشينانغ المزدحم وراء ظهري وذهبت إلى شاطئ باسير بانجانغ في جزيرة توبا، منتجع صغير أكواخه الخشبية متجاورة مع خط الرمل. الطريق بالقارب القصير جعله أقرب إلى الاستعجال والابتعاد في آنٍ واحد.
فتحت باب الكوخ فشممت رائحة الخشب والمالح معاً، ورأيت ظلّ الأشجار يمرّ عبر النوافذ. وضعت الحقيبة على السرير ونشرت ثوب النوم. أول فعل قمت به أن أوقفت الإنترنت عن عمد. قلت لنفسي: لا رسائل لليوم، لا صور للعرض، لا مواعيد. جلست على الشرفة أطيل النظر في نقطة على الماء حتى تبدو كل أموري صغيرة وبعيدة. في تلك اللحظات شعرت أن العزلة في جزيرة لنكاوي ليست فراراً بل ترتيب لصندوق من الذكريات الذي طالما تأخر فتحه.
صوت الموج كرفيق
لم أحسب أن صوت الموج سيكون له هذا الحضور العاطفي الكبير. في ليلتي الأولى، بينما كانت النجوم تبدو أقرب، نمت نوماً طويلاً متواصلاً. استيقظت في الصباح وأشعر بأنّ أجزاء من قلقي اختفت. بدأت نهاري بتمارين تنفّس بسيطة، ثم مشيت على الشاطئ حافية القدمين أتابع خطى الطيور. رافقتني كلبة صغيرة تُدعى Princess، بدت وكأنها تعرف أنني بحاجة لرفيق هادئ. قرّبتني تلك الخطوات البسيطة إلى ذاكرة قديمة للطفولة، حيث الأشياء القليلة كانت تكفي للسعادة.
أحضرت معي كتاباً كنت أرغب في قراءته منذ وقت طويل، وكان الهديّة أنني أنهيت معظم صفحاته بعيداً عن مقاطعات الهاتف. أجلس عند الظهيرة أقرأ، أحفظ سطراً، أمشي قليلاً، أعود لأكتب فكرة صغيرة على زاوية ورقة. تحوّل روتين القراءة هناك إلى طقس يعيدني إلى صمت متأمل. في المساء مارست يوغا قصيرة ثم تناولت عشاءً بسيطاً من الأسماك المحلية. تلك الأيام علّمتني أن الإيقاع البطيء يعيد القيمة للأشياء.
خلال يومي الثالث لاحظت شيئاً لم أتوقعه: ألم مزمن في أعلى ظهري بدأ يخف تدريجياً ثم اختفى. تذكرت كل محاولات التعاطي مع هذا الألم في المدينة —مساجات، أدوية، تغيير الوسائد— لكن لا شيء أعطى نتيجة دائمة. هنا، ومع امتلاء الصمت والبحر والصحبة البسيطة، شعرت أن الجسد استسلم للراحة التي طالما رفضها. أدركت أن بعض الإصابات تحمل بين طيّاتها نشاز الروح، وأن الصمت علاجٌ غير مرئي لكنه فعّال.

ليالي بلا أضواء
في كوالالمبور كنت أعيش تحت وهج لا ينطفئ. هناك، في الكوخ، رأيت الليل كما ينبغي أن يكون: مظلماً، نقيّاً، منتظراً. جلست لأحاكي سماءً مرصعة بالنجوم وبدأت أتخيّل حكاياتٍ لم أكن لأفكر بها وسط ضجيج المدينة. كل نجمة كانت تعيدني إلى زمنٍ ما قبل انشغالاتي، إلى حب قديم، إلى لحظة قراءة في فجر بعيد. هذه إعادة ربط مع ذاتي ليست دروساً معقدة، بل لوحات بسيطة من الضوء والظل.
تذكرت موقفاً صغيراً مع امرأة محلية كانت تنظف أمام كوخها؛ توقفت لألقي عليها تحية، وجاءنا حديث صغير عن البحر والأمطار والمحاصيل. لم نكن نتحدث لغة واحدة بطلاقة، لكن كفاية الابتسامة والتمثيل بالإيماءات لملأت الجو دفئاً. علمتني تلك المحادثة أن الود لا يحتاج ترجمة، وأن البساطة في العلاقات تذكرك بأن العالم لا ينهار إن لم تجب فوراً على رسالة.
كانت هناك أيضاً لحظة شعرت فيها بخوف قديم — رؤية نحلة داخل الكوخ. جلست بقليل من الرهبة، لكنني تنفّست بعمق ثم تذكرت نصيحة بسيطة: لا تهربي، اهدئي، وسترحل. تركتني الحشرة وعدت لأكمل القراءة. ربما كانت تجربة صغيرة، لكنها كانت بالنسبة لي اختباراً على أنني أستطيع البقاء في عالمٍ أكثر بساطة مما اعتقدت.

طقوس ما بعد العودة
عدت إلى المدينة ومعي دفتر الملاحظات الذي استخدمته في لنكاوي؛ كتبت فيه ملاحظات صغيرة وصوراً ذهنية لكل صباح. أصبحت أمشي في الحديقة القريبة كل صباح حتى لو لعشر دقائق؛ أمارس تمارين التنفّس وأحاول أن لا أفتح هاتفي قبل أن أُنهي هذه البسيطة. كما قلّلت من الاشتراكات التي تملأ صندوق بريدي الإلكتروني، ومع كل إشعار لا أسمح لنفسي بالردّ الفوري.
أخبرت أصدقائي عن التجربة لكنني لم أحاول تسويقها؛ العزلة تجربة شخصية لا تصلح دوماً للجميع. ومع ذلك، حين يسألني أحدهم الآن عن أفضل مكان للانقطاع، أجيب ببساطة: لنكاوي إن كنت تبحث عن هدوء يذكّرك بوجودك.
قبل أن أغادر، قضيت ساعة أخيرة على الشاطئ أعدّ فيها قائمة صغيرة من الأشياء التي لا أريد أن أعود بها إلى المدينة: جزء من التوتر، عادة الردّ الفوري على كل رسالة، ورغبة الشراء المستمرة. أردت أن أحمل فقط ما يعطيني معنى. عند الصعود إلى القارب شعرت بخفة لا أعرفها منذ زمن. لم أعد أهرب من شيء، لكنني أصبحت أعود بكامل إرادتي.
العزلة كمنحة إلاهية
لقد كانت العزلة في جزيرة لنكاوي بمثابة منحة إلهية بحثت عنها مطوّلاً. منحتني فرصة أن أسمع نفسي بوضوح، أن أرتب أفكاري، وأن أعود إلى عادات قديمة جميلة — قراءة بلا استعجال، نوم عميق، تنفّس بطيء. العيش في الكوخ لم يغيّر واقعي، لكنه أعاد لي أدوات أواجه بها يومي في المدينة.
عدت إلى كوالالمبور وأنا أحمل طقوساً جديدة: ساعة صمت يومية، تقنين استخدام الهاتف، ومشي قصير عند الشروق. إن عدت مرة أخرى إلى لنكاوي فسيكون لأسباب مختلفة؛ ربما لتأكيد أن هذا الهدوء لا يزال موجوداً، أو ربما لأعلم غيري أن العزلة ليست هروباً إنما دربٌ إلى الذات.
لا تعليق