في كل عام أعود إلى إيبوه، تحديداً إلى معبد كيك لوك تونغ (Kek Look Tong Temple) الذي صار مألوفاً كبيتٍ قديم أفتقده كلما ابتعدت. لم يعد المعبد مجرد محطة في رحلاتي، بل طقساً متكرراً أشبه بموعدٍ مع الذات. في البداية، زرته قبل ست سنوات، وشعرت أنني دخلت عالماً آخر؛ مزيجًا من خشوع المعابد وسكينة الجبال ودهشة الكهوف. ومنذ ذلك الحين، صار حضوره في حياتي ثابتاً، كأنني لا أكتمل من دونه.
من العجيب أن المكان الذي كان في زمنٍ ما منجماً للحديد، غارقاً في ضجيج الآلات وحركة الشاحنات، تحوّل اليوم إلى معبد يحمل اسماً بديعاً: “منتهى النعيم”. الصخور الجيرية التي شهدت الحفر والضوضاء ظلت صامدة، لكنها الآن تضيء بلونٍ آخر، بلون الصمت. حين تدخل إلى الكهف، تشعر أن الأرض تتنفس من حولك، وأن سقفه العالي يحميك بظلٍّ عمره ملايين السنين.
ومن جهة أخرى، يُعد كهف كيك لوك تونغ من أجمل كهوف ماليزيا وأكثرها تفرّداً إذ يجمع بين التاريخ والطبيعة والروحانية.
في أعماق الكهف تنتصب تماثيل بوذية برونزية جاءت من تايوان. أكثرها قرباً إلى القلب تمثال بوذا المبتسم الذي يفتح ذراعيه كأنه يقول: “هنا ينتهي القلق.” في المقابل، تصطف التماثيل الأخرى في صمتها، لكن ما بينها ليس حجارة فحسب، بل مساحة فراغ تشبه حضناً واسعاً. ذلك الفراغ يمنحك فرصة نادرة لتستمع إلى صوتك الداخلي، الصوت الذي تضيع ملامحه وسط ازدحام الحياة. إضافةً إلى ذلك، المكان مضاء بإضاءة خافتة تجعلك تشعر أنك في حضن الزمن، لا في كهف. كل زاويةٍ فيه تحكي قصة عن تحول المكان من الحديد إلى السلام.

حديقة معبد كيك لوك تونغ تفتح باب الضوء
وما إن تمر من الكهف حتى تفاجئك الحديقة. كأنك خرجت من بطن الأرض إلى فضاء آخر. هناك بحيرتان صغيرتان تلمعان تحت ضوء الشمس، وأسماك وسلاحف تتحرك بهدوءٍ خالص. الأشجار تحرس المكان، والهواء مشبع برائحة العشب المبتل. في كل مرة أجلس عند حافة البحيرة أشعر أن العالم كله يتوقف للحظة، وكأن الطبيعة نفسها تذكّرني بأن الجمال لا يحتاج إلى حضورنا، بل نحن الذين نحتاج إليها كي نتنفس.
يذوب الإحساس بالوقت في معبد كيك لوك تونغ في إيبوه. لا يهم كم ساعة تمضي هناك، فما إن تدخل حتى تصبح داخل زمنٍ مختلف. كل زيارة بالنسبة لي كانت عودة إلى صمتٍ داخلي، استراحة من ضجيج المدن ومن الأصوات التي لا تنتهي. على سبيل المثال، كنت أكتفي بالجلوس دون حديث، أراقب الضوء وهو يتبدّل فوق الصخور، وأتأمل كيف يمكن للحجر أن يُلهم الطمأنينة أكثر من البشر. هناك أتعلم أن التأمل ليس ممارسة معقدة، بل هو لحظة صدق مع الذات، في حضرة مكان يعرف كيف يُسكتك بلطف.
لا أزور المعبد لأني أبحث عن معلمٍ سياحي جديد، بل لأني أبحث عن نفسي في مكانٍ يعرف الصمت أكثر مما يعرف الكلام. أزوره لأذكّر نفسي أن العالم أوسع من الخرائط، وأن الكهوف التي حملت الحديد يمكن أن تتحول إلى معابد تحمل السلام. علاوة على ذلك، في كل زيارة أجد تفصيلاً جديداً لم ألاحظه من قبل: صوت الماء تحت الأرض، أو انعكاس ضوءٍ صغير على سقف الكهف.
وهكذا، يتحول المعبد إلى معلمٍ شخصي، لا وجهةٍ سياحية. وفي النهاية، هناك، بين التماثيل والصخور والحدائق، أجدني في مرآة الطبيعة، وأصغي لصوتٍ لا يسمعه أحد إلا من تعلّم فن الإصغاء.

لا تعليق