Asma Qadah   KL

لم أكن أتصور أن الطريق سيصبح بيتي، وأن حقيبة السفر ستعرف عني أكثر مما تعرفه المدن التي مررت بها. ما بدأ كرحلة قصيرة، تحوّل مع الوقت إلى أسلوب حياة كامل. لم أقرر السفر لأهرب من مكان، بل لأنني شعرت أن هناك شيئاً في داخلي يريد أن يتنفس، أن يتحرك، أن يرى ما وراء الأفق. كل بداية كانت صغيرة، لكنها كانت حقيقية. كنت أظن أن السفر مجرد إجازة أو مغامرة مؤقتة، لكنني اكتشفت أنه كان بوابة لنسخة جديدة من نفسي. ومع مرور الوقت، صار الطريق ليس فقط مساحة للحركة، بل مساحة للفهم، فهم نفسي والعالم من حولي.

كنت في الحادية عشرة من عمري عندما سافرت لأول مرة خارج السعودية. كانت ماليزيا وجهتنا الأولى، وأذكر حتى الآن رائحة مطار كوالالمبور حين فتحنا باب الطائرة. الهواء كان مختلفاً، رطباً ومليئاً بالحياة. هناك رأيت النساء يقدن سياراتهن بثقة، رأيت الشوارع الهادئة والسماء التي لا تعرف الغبار.

قضينا في تلك الزيارة أياماً في بيت جدتي، خلفه حديقة صغيرة مليئة بفاكهة الرمبوتان. كنت أقطفها بيدي، وأضحك حين تتناثر قطرات الماء على وجهي. لم أكن أعلم أن تلك اللحظة الصغيرة ستكون أول درس لي في السفر: أن الجمال لا يُكتشف في المعالم الكبيرة، بل في التفاصيل البسيطة التي لا تتكرر. ثم كانت كل زيارة إلى ماليزيا درساً جديداً. كل إجازة كانت بداية لحكاية أخرى، وكان كل مطار وعداً بمكان مختلف. أحببت رائحة الطائرات، أحببت فكرة الحركة، وبدأت أتعلم كيف يمكن للرحيل أن يكون شكلاً من أشكال الحياة.

الإدمان على الترحال

أصبح الترحال والسفر جزءاً كبيراً من حياتي. تكررت رحلات العودة إلى ماليزيا، والإجازات الصيفية الآن بطعمٍ مختلف. أعود دائماً بحكايات كثيرة أحكيها لبنات خالاتي في السعودية، ولصديقات المدرسة. أحببت الطائرة بعد كل هذه السفريات المتكررة، فكرة أن أكون فوق السحاب وداخله. حتى أنني تقدّمت للعمل كمضيفة للطيران في الخامسة والعشرين. قُبِلت مبدئياً، لكنني تخوّفت وانسحبت في النهاية. اكتشفت فيما بعد أن الأمر ليس متعلقاً بالطائرة، بل الترحال ذاته. أحببت أكثر فكرة أن أرى كل يومٍ شيئاً جديداً، أن ألتقي أناسَ جدد، ننام عدة ليالٍ في بيتٍ ما، ونقضي نهاراتنا نتنقّل بين القرى.

منظر من أعلى على كوالالمبور

ثمانية عشر عاماً في ماليزيا

مرت السنوات، وصار السفر عادة أكثر من كونه حدثاً. ثمانية عشر عاماً بين السعودية وماليزيا كانت كافية لأتعلم أن الانتماء ليس حكراً على مكان واحد. كنت أتنقّل بين بلدين، لكن قلبي كان يبحث عن معنى ثالث، مساحة وسطى بين الذهاب والعودة. كنت أعمل، أدرس، أعيش كما يعيش الجميع، لكن في داخلي شعور غامض بالضيق. كأن شيئاً ما في الإيقاع اليومي لا يشبهني. في كل مرة أغادر فيها إلى ماليزيا كنت أشعر أنني أستعيد أنفاسي، وفي كل مرة أعود كنت أترك خلفي قطعة مني.

وفي عام ٢٠١٧، كان كل شيء مهيأ للتغيير. كانت سنة مزدحمة، فيها تسع رحلات متتالية بين دول ومدن مختلفة. كنت أتحرك كثيراً لدرجة أن فكرة البقاء في مكان واحد بدأت تخيفني. وفي أحد المطارات، وأنا أنظر من خلف الزجاج إلى طائرة تستعد للإقلاع، أدركت أنني لا أبحث عن إجازة… أنا أبحث عن حياة.

كابينة الطائرة بدلاً من جدران المكتب

كنت أعمل في وظيفة رسمية. مكتب، توقيع، شاشة، وضوء أبيض لا ينطفئ. كنت أجيد عملي، لكنني لم أجد نفسي فيه. كان كل يوم نسخة من الذي قبله. وجدت نفسي أهرب إلى الكتابة؛ إلى ترجمة النصوص، وإلى تدوين ملاحظات عن الأماكن التي أزورها، وعن الناس الذين يعبرون حياتي كنجومٍ سريعة الظهور. وشيئاً فشيئاً، بدأت الكتابة تأخذ مساحة أكبر من العمل. صارت مفرّي الصغير. كنت أكتب عن ماليزيا، عن رحلاتي القصيرة، عن الشوارع التي أحبها في كوالالمبور. ولم أكن أعلم أنني كنت أجهّز نفسي لرحلة أكبر، رحلة سأترك فيها المكتب نهائياً.

لم يكن القرار سهلاً. كنت أفكر فيه منذ سنوات، وأقول لنفسي دائماً: “لاحقاً.” لكن الإرهاق تراكم، وصار البقاء مؤلماً أكثر من الرحيل. كنت أشعر أنني أعيش حياة لا تشبهني، وأن الوقت يمضي وأنا ما زلت على الرصيف.

في ليلة ميلادي السادس والثلاثين، كنت أجلس مع صديقتي رحاب. قلت لها: “أريد أن أبدأ رحلة طويلة. لا أعرف إلى أين، لكني أعرف أنني أريد أن أرحل.” ابتسمت وقالت: “إذن ابدئي.” لم نخطط، لم نرسم خرائط، لكن في تلك الليلة تغيّر كل شيء. بدأت أقرأ عن القارات، أدرس الطرق، أبحث عن المدن التي يمكن أن تكون بداية جديدة. كانت الخطة أن أبدأ من جنوب شرق آسيا. قريبة بما يكفي لأشعر بالأمان، وغريبة بما يكفي لأتعلم من جديد.

الترحال 15

عام من الاستعدادات الجدية

استمرّ التحضير عاماً كاملاً. كنت أعيد ترتيب حياتي من الصفر. خصصت جزءاً من راتبي لما أسميته صندوق السفر، وبدأت أتعلم كيف أعيش بأقل. تخلّيت عن الأشياء التي ظننتها ضرورية: الملابس الكثيرة، الأثاث، وحتى بعض الكتب. كنت أبيعها واحدة تلو الأخرى، وأشعر أنني أتحرر مع كل قطعة تختفي. بقي صندوق صغير واحد عند صديقي جون، فيه بعض التذكارات: دفترٌ قديم، بضع صور، وقطعة قماشٍ مطرزة من بيت جدتي. أردت أن أترك ورائي شيئاً يربطني ببيوتي السابقة، لكنني كنت أعرف أن ما أحمله في داخلي يكفي.

ثم في يوليو ٢٠١٨، أرسلت رسالة استقالتي. أتذكر لحظة الضغط على زر “إرسال” جيداً، كانت كقفزة حرّة في الهواء. وبعد عشرة أيام وصلت الموافقة. اشتريت تذكرتي إلى بانكوك فوراً، وبدأ العدّ التنازلي لحياة جديدة.

أول الرحلات

غادرت ماليزيا في الخامس عشرة من أغسطس إلى بانكوك. لم أكن أعرف ما ينتظرني، لكنني كنت أعرف أنني لن أعود كما غادرت. كانت تلك بداية حياة الرحالة الرقمية. كنت أعمل عن بُعد، أكتب، أترجم، أعمل على مشروعات صغيرة لأحافظ على رحلتي. لم تكن سهلة، لكنها كانت صادقة.

كل مدينة كانت درساً. تعلمت في بانكوك أن الضجيج قد يكون مريحاً، واكتشفت في لاوس أن الصمت ليس دائماً سلاماً، فيما علمتني كمبوديا أن الذاكرة أحياناً تسكن في وجوه الغرباء. تركت في كل بلد كنت شيئاً من خوفي، وجملت بدلاً منه شجاعة صغيرة تكبر كل مرة.

ما بين الحنين والرغبة في المزيد 

غالباً ما يسألني الناس: “كم سنة قضيتِ في ماليزيا؟ ألا تشتاقين إليها؟” أجيب دائماً أن ماليزيا ليست مكاناً بالنسبة لي، بل جزءاً من تكويني. هي البيت الأول والبوابة إلى كل البدايات. هناك تعلمت أن البيت ليس جدرانًا نعود إليها، بل شعورٌ نحمله أينما نذهب. الحنين لا يغيب، لكنه لم يعد يقيدني. أفتقد الأماكن، لكني لم أعد أخاف من الرحيل. صرت أؤمن أن الفقد جزء من الطريق، وأن الحرية لا تأتي من البقاء، بل من الجرأة على المغادرة.

واليوم، وبعد كل هذه السنوات، لم أعد أكتب “كيف تسافر”، بل “لماذا تسافر”. لأنني اكتشفت أن ما بين السؤالين المسافة التي تغيرت فيها حياتي كلها. السفر بالنسبة لي لم يعد مغامرة مؤقتة أو وسيلة للهروب. صار طريقة لفهم نفسي، ولتعلم الإصغاء لما حولي.

أكتب لأن الكتابة هي طريقتي في ترتيب الفوضى، ولأنني لا أريد أن أنسى. أكتب لأتذكر المدن التي غيّرتني، والوجوه التي عبرت حياتي ثم رحلت، وأكتب لأتذكر أن الطريق نفسه — وليس الوجهة — هو ما يصنعنا في النهاية. فالترحال بالنسبة لي ليس هروباً من الاستقرار، بل شكلٌ آخر منه. الاستقرار داخل الحركة، والسكينة داخل المجهول. ربما هذا ما يجعلني أواصل السير حتى الآن. ففي كل مدينة أجد نسخة جديدة مني. وفي كل مطار، حين أضع حقيبتي على الميزان، أبتسم وأفكر: ربما لم أعد أملك بيتاً واحداً، لكن لدي آلاف الأبواب التي يمكن أن أطرقها.

أسما قدحAuthor posts

Avatar for أسما قدح

Malaysian Travel Blogger on #TRLT. En-Ar Translator & Content Writer | مدونة ومترجمة ماليزية رحالة في الطرق الأقل سفراً

9 تعليقات

  • قرأت هذه التدوينة عشرات المرات، ولذلك أنا متأكد تماماً عندما أقول أن هذه أفضل مقالة قرأتها في حياتي -ربما على السبيل الشخصي-..
    أثرت فيني كثيراً ومازالت ..

    شكراً أسماء على كل الإلهام الذي تقدمينه ..
    شكراً لك

  • سرد جميل وسهل وممتع ولا شعرت بالملل اثناء القراءة لقصتك المثيرة والعجيبة .. حفظك الله ورعاك اينما حللتي

  • كل الاحترام لك على هذه التجربه المثيره(نمط الحياة )الجديد الذي طرحته ….لكن اظن ان الوضع سيكون صعب لمن يلتزم بعاداته وتقاليده ودينه

  • أهلاً ناجي..
    الهدف الأساسي من السفر هو التعرف على عادات الناس والتعلم منها، ولا ينافي هذا التمسّك بالعادات والتقاليد والدين، وإلا لما كانت الأرض مبسوطة لنا!

  • سرد جميل وسهل وممتع، لك كل الاحثرام والتقدير اختي بالتوفيق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *