ظننت حين بدأت السفر في عام ٢٠١٨ أنني سأعود مختلفة. كنت أؤمن أن الرحلات الطويلة ستجعلني أكثر ثقة وتوازناً، وربما أقرب إلى نفسي التي ظللت أبحث عنها طويلاً. تخيّلت أن كل مدينة جديدة وكل ختم على جواز سفري سيمنحني طبقة من النضج أو السلام الداخلي. لكن الحقيقة جاءت هادئة ومخيّبة لتوقّعاتي في الوقت ذاته. لم أجد نفسي في المطارات، ولا في المقاهي المطلة على البحر، ولا حتى في المدن التي ظننت أنها ستعيد لي ما فقدته. ما وجدته هو نفسي القديمة بعاداتها، بتردّدها، وحتى بمخاوفها الصغيرة. لم يتبدّل شيء سوى الزمن، واللغة من حولي، وإيقاع الحياة الذي صار أبطأ قليلاً.
لم يُشفني السفر من شيء، بل جعلني أسمع صوتي بوضوحٍ أكبر. حين يختفي الزحام من حولك، لا يبقى سوى نفسك لتواجهها. كل ما كنت أؤجّله في ضجيج الحياة عاد إليّ بهدوء المدن البعيدة. تعلمت أن الهروب لا ينجح حين تحمل وجهتك داخلك

حين ظننت أن السفر سيغيّرني
بدأت رحلاتي في عام ٢٠١٨، وأنا أحمل إيماناً كاملاً بأن السفر قادر على تغيير الإنسان من الداخل. كنت أظن أنني سأعود إلى كوالالمبور أكثر ثقة، أكثر وعياً، وربما أكثر قرباً من تلك النسخة التي حلمت أن أكونها. تصوّرت أن بين كل رحلةٍ طويلة، وكل ختمٍ جديدٍ على جواز السفر، ستولد نسخة جديدة مني، أخفّ، وأنضج، وأكثر اتزاناً.
لكنّ المدن التي زرتها لم تخلقني من جديد. ما فعلته ببساطة أنها وضعتني أمام نفسي القديمة، بنفس التفاصيل الصغيرة التي حاولت تجاوزها. المخاوف نفسها، والعادات ذاتها، وحتى الأفكار التي ظننت أني تركتها في الزحام، كانت ترافقني إلى كل مكان. لم يتغيّر شيء فعلاً، سوى المشهد الذي أراه من النافذة، وساعتي التي تشير إلى توقيتٍ مختلف. والحقيقة التي لا يقولها كثيرون أن السفر لا يبدّلنا بقدر ما يكشفنا. إنه لا يعيد تشكيلك كما تظن، بل يرفع الصوت على كل ما كنت تخفيه. يجعل أفكارك أكثر وضوحاً، ويعرّيك من الأعذار التي كنت تبرّر بها صمتك أو ضياعك. في المدن البعيدة، حيث يختفي الضجيج، لا يبقى إلا صوتك أنت، يواجهك كما لم يفعل من قبل.
كنت أظن أن المسافة كفيلة بالشفاء، وأن البُعد سيغسل ما علق بي من تعب. لكن السفر لا يُعالجك، بل يعيدك إلى نفسك من طريقٍ أطول، وأكثر حدة. عندما تغادر المكان الذي تعرفه، لا تهرب من ذاتك. بل تراها أخيراً كما هي، بلا أقنعة، وبلا ضوءٍ يجمّل ملامحها.

السفر لا يُغيّرك، بل يرفع الستار!
في البداية، كان الأمر مُربكاً للغاية، وأكثر مما توقعت. لم تكن الغربة في اللغة أو الطرق الجديدة، بل في مواجهة نفسي دون ضجيج. أتذكر صباحاً في تشيانغ ماي، حين جلست في مقهى صغير بين رحّالة رقميين يبدون وكأنهم اكتشفوا سرّ التوازن؛ كان كل واحدٍ منهم يعمل بتركيز، يكتب أو يخطط ليومه، ويعيش بإيقاع منضبط كأن كل شيءٍ في مكانه الصحيح. راقبتهم في صمتٍ وأنا أتساءل: أليس من المفترض أن أكون قد وجدت نفسي الآن؟
تصورت أن السفر الطويل والتنقّل بين المدن والعمل عن بُعد سيمنحني شعوراً بالاكتمال الذي أبحث عنه. لكن شيئاً مختلفاً حدث؛ هناك، بعيداً عن المألوف، هدأت داخلياً ببطء، وكأنني أتعلّم الإصغاء إلى ذاتي من جديد. لم أكن ضائعة كما ظننت، بل كنت أرى نفسي بوضوحٍ لم أجرؤ على النظر إليه من قبل. السفر لا يبدّلك، بل يعرّيك من الزحام الذي كنت تختبئ خلفه. حين تبتعد عن بيتك ومجتمعك وروتينك اليومي، يقلّ ما يمكن أن تتوارى به عن نفسك. هناك، يصبح كل ما حولك ساكناً بما يكفي لتسمع صوتك الداخلي بوضوحٍ غير مسبوق، فتتعلّم الإصغاء لا لتصطاد إجاباتٍ جاهزة، بل لتقبل الصمت بوصفه إجابة تستحق الاحترام.
في إحدى رحلاتي إلى نويبع جلست قرب البحر أراقب الغروب وأفكّر في أن المدن التي عبرتها لم تغيّرني كما تخيّلت. ما فعلته أنها أزالت الغبار طبقةً بعد أخرى حتى رأيت نفسي على حقيقتها؛ متعبة قليلاً لكنها صادقة. عندها فهمت أن السفر ليس إعادة بناءٍ كما نحب أن نصدق، بل يمهّد العودة إلى الذات ببطء، إلى الجوهر الذي يبدأ منه كل شيء.

لم تكن الجنة كما يتحدثون عنها
تغيّر شكل حياتي أكثر مما كنت أتخيل، في العامين اللذين عشتُهما في موريشيوس. لا لأن الجزيرة كانت “جنة استوائية”، بل لأنها وضعتني وجهاً لوجه مع نفسي. كنت أظن في البداية أن فكرة العيش والعمل من جزيرة استوائية ستكون سهلة، مزيجاً من الشواطئ، وأكواخٍ خشبية، وإلهامٍ لا ينتهي. لكن الحياة اليومية هناك كانت أكثر بساطة، وأحياناً أكثر صمتاً مما توقعت.
كنت إما أعمل من بيتي، حيث مكتبي يطلّ على مسبح الفيلا. أو من شرفةٍ صغيرة تطلّ على البحر الذي تتبدّل ألوانه خلال اليوم، مظهر شاعري للغاية! ولكن، لم يكن الإنترنت مستقراً دائماً، وأحياناً ينقطع الماء لعدة أيام، أو الكهرباء لساعات. كان عليّ أن أتعلم الصبر في الاجتماعات التي تنقطع فجأة. في المساء، كنت أخرج لأتمشّى على الشاطئ، حافية القدمين، أراقب الناس يلعبون الكرة أو يركضون مع كلابهم. كانوا يعيشون الحياة ببساطةٍ عميقة جعلتني أعيد التفكير في معنى “الحرية” الذي نردده كثيراً نحن الرحالة الرقميين.
خلال تلك الفترة، لم يكن كل شيء وردياً. كانت الوحدة تصفعني بصمتها، وأحياناً أشتاق إلى فوضى المدينة، وسهولة التسوّق من هاتفي. لكن مع الوقت، تعلّمت أن البطء ليس فراغاً، بل مساحة أتنفس فيها. كنت أقرأ أكثر، أطبخ لنفسي، وأكتب حين تهطل الأمطار ليلاً وتملأ الصوت الوحيد في البيت. وحينما أجلس على الشاطئ نهاية يومٍ طويل من العمل. أحدّق في البحر الممتد بلا نهاية، وفكرت أن الرحلة الحقيقية ليست في السفر المستمر، بل في قدرتك على البقاء مع نفسك دون أن تشعر بالضياع. موريشيوس لم تكن مجرّد محطة عابرة، كانت تجربة علّمتني أن “الاستقرار” لا يعني أن تتوقف عن الترحال، بل أن تتصالح مع إيقاعك الداخلي.

عن العودة إلى الذات
واليوم، بعد سنواتٍ من الترحال بين القارات والجزر والمدن القديمة، أدركت أنني لم أكن أبحث عن نفسي في الخارج كما كنت أظن. كنت أعود إليها في كل مرة أغادر فيها مكاناً، دون أن ألاحظ ذلك. كل رحلة كانت مرآةً صغيرة تلتقط جزءاً من وجهي الذي غاب عني طويلاً. في كل مدينةٍ جديدة كنت أكتشف شيئًا عن نفسي أكثر مما أكتشف عن المكان. المدن تغيّر ألوانها باستمرار، لكننا نحن من نعيد اكتشاف ظلالنا فيها.
تعلمت أن الذات لا تختبئ في مكانٍ بعيد كما يقال، بل تتوارى خلف الانشغال والضجيج. كنت أظن أنني أحتاج إلى السفر لأجدها، لكنني اكتشفت أنها تنتظرني دائماً في اللحظة التي أهدأ فيها. لم يكن السفر وسيلة للبحث بقدر ما كان تمريناً على الإنصات. كنت أتعلم كيف أعود إلى نفسي من خلال التفاصيل الصغيرة: فنجان قهوة في صباحٍ غائم، طريق طويل بلا وجهة محددة، أو محادثة عابرة مع غريبٍ يذكرني بأن العالم لا يدور حولي. لم يغيّرني السفر كما كنت أريد، لكنه صقل زواياي الحادة، وجعلني أرى اتساع الحياة خارج دائرة طموحاتي الصغيرة. لم يصنع مني شخصاً جديداً، لكنه جعلني أقترب أكثر من جوهري، من النسخة التي تركتها في منتصف الطريق ذات يوم، حين انشغلت بمحاولة أن أكون ما يتوقعه الآخرون.
واليوم، حين أتذكّر كل المدن التي مررت بها، لا أعدّها على خريطة الجغرافيا، بل على خريطة التحوّل الداخلي. بعضها منحني شجاعة، وبعضها منحني صمتاً، وبعضها فقط منحني فرصة لأن أبطئ وأتنفّس. أيقنت أن السكينة لا تنتظر في آخر الطريق، بل ترافقك حين تتوقف عن الركض وتبدأ في السير بوعيٍ كامل.
