حينما أخبرت “ستان”، صديقي الروسي في نهاية ٢٠١٩ أنني أخطط لبدء رحلتي في أفريقيا، بداية من جنوب أفريقيا وانتهاءً بمصر، حذرني من ذلك. بل ضحك وقال: “جوهانسبرغ خطرة، ستُقتلين هناك!”. كان يعرف أنني لا أزور المدن مثل السائحين، بل أبحث عن القصص، عن الناس، عن التجارب التي تحدث خارج الفنادق. ربما كان يقصد المشي في وسط المدينة، أو لم يكن يعرف أنني قررت السكن في سويتو. لم أكن أعرف ما ينتظرني، لكن شيئًا في داخلي كان واثقًا أن الصورة التي تُرسم عن المدينة أبسط من واقعها.

كيف قضيت أسبوعاً في جوهانسبورغ
لم تشبه جوهانسبرغ أي مدينة زرتها من قبل. فيها تناقضات لا تنتهي؛ مدينة تحمل ذاكرة الماضي لكنها تتحرك بسرعة نحو المستقبل. كنت أسمع عنها الكثير قبل الرحلة، قصصاً عن الخطر، والازدحام، والتفاوت الاجتماعي. لكن شيئاً منها لم يعبّر عن حقيقة الإحساس حين تكون هناك فعلاً. هي مدينة تُشبه نبضها: صاخبة، جريئة، ومتعبة في الوقت نفسه.
خلال أسبوعي الأول، انتقلت بين أحيائها المختلفة، من سويتو بألوانها وأغانيها إلى المقاهي الصغيرة في باركهورست، ومن شوارع وسط المدينة التي تعجّ بالحياة إلى الأسواق الحرفية التي تفيض بالطاقة والإبداع. في كل زاوية شعرت أن هناك قصة لم تُروَ بعد، وأن جوهانسبرغ لا تُمنح بسهولة لمن يمرّ بها مروراً سريعاً.
أما عن الأمان، فلست ممن يقدّم إجابات عامة، أستطيع فقط أن أروي ما عشته. سكنت في سويتو طوال فترة وجودي هناك، وكنت أتنقل أحياناً في وسط المدينة مع مرشدين محليين. لم أشعر بالخوف يوماً، رغم الحذر الطبيعي الذي يرافق أي مسافر في مدينة جديدة. كانوا هنا ودودين، متعاونين، ومستعدين للمساعدة في أبسط الأمور. أدركت أن الصورة التي تُرسم عن جوهانسبرغ في الخارج لا تشبه الواقع تماماً، وأن الانطباعات تُبنى غالباً من بعيد. تجربتي كانت إيجابية، واقعية، وفيها من الدهشة ما يكفي لأن أعود إليها مرة أخرى.

سويتو: البداية التي غيّرت نظرتي لجوهانسبورغ
في صباحي الأول في جوهانسبرغ، قررت أن أبدأ من قلب سويتو، البلدة التي ارتبط اسمها بتاريخ جنوب أفريقيا أكثر من أي مكان آخر. لم أكن أعرف تماماً ما الذي ينتظرني، لكنني أردت أن أرى بعيني المكان الذي خرجت منه حكايات مانديلا وتوتو، وأن أسمع صوت الشوارع لا شروحات المرشدين. كانت الجولة بالدراجة وسيلتي للتعرف على الحياة اليومية هناك. مررنا ببيوت صغيرة متلاصقة، بباعة يقفون أمام أبوابهم، وأطفال يركضون حفاة خلف الدراجات ويضحكون.
توقفت أمام منزل مانديلا الصغير، مكان متواضع يختزن قوة هائلة. لم أتمكن من تجاهل مشاعري وأنا أتخيل كيف كانت الحياة هنا حين كان الخطر يحوم في كل شارع. لاحقاً، في متحف هيكتور بيترسون، وقفت طويلاً أمام صور الطلاب الذين قُتلوا في احتجاجات عام ١٩٧٦. لا أعرف إن كانت الدموع بسبب القصص أو بسبب الإحساس بأن التاريخ ما زال قريباً جداً، لم يبرد بعد.
في المساء، عدت إلى مسكني في سويتو، حيث أقيم في بيت الرحالة. كنا مجموعة صغيرة من المسافرين المحليين والأجانب، نجلس في الفناء الخلفي حول النار، نتبادل القصص ونضحك على الفروق الصغيرة بيننا. وأدركت وقتها أن كل ما سمعته عن خطورة سويتو لم يكن سوى نصف الحقيقة.

هضبة الدستور ووسط مدينة جوهانسبرغ
في اليوم الثاني، قررت أن أترك شوارع سويتو الهادئة وأتجه إلى وسط جوهانسبرغ. كانت الفكرة بسيطة: أن أتعرف على قلب المدينة كما يراها أهلها، لا كما تصفها الكتيبات السياحية.
توقفت أمام متحف أفريقيا في نيوتاون، مبنى قديم يعيدك إلى البدايات الأولى للمدينة. في الداخل، تتجاور الآلات الموسيقية التقليدية مع الصور القديمة، وكأنها محاولة لربط الماضي بالحاضر، ولتذكير الزائر بأن جوهانسبرغ لم تولد من البريق، بل من العمل الشاق والحلم. ثم واصلت السير نحو Chancellor House، المبنى الذي أسس فيه مانديلا وأوليفر تامبو أول مكتب محاماة للسود في البلاد. شعرت بأن الوقوف هناك ليس مجرد زيارة، بل لحظة صمت أمام من غيّروا تاريخ وطنهم بالقانون لا بالسلاح. كانت الواجهة الزجاجية تعكس وجهي مع صورهم القديمة، فابتسمت لتلك المصادفة التي جعلتني أرى نفسي داخل الحكاية.
في نهاية اليوم، وصلت إلى هضبة الدستور (Constitution Hill)، المكان الذي تختصر فيه جوهانسبرغ حكايتها كلها. كانت القلعة القديمة التي تحولت إلى متحف ومقر للمحكمة الدستورية تذكيراً صارخاً بأن الحرية لا تأتي دفعة واحدة، بل تُنتزع بشجاعة وصبر. مشيت في الممرات التي كانت يوماً سجوناً، ثم خرجت إلى الساحة حيث ترفرف الأعلام. شعرت أن هذا المكان ليس مجرد معلم، بل شهادة حية على قدرة الإنسان على النهوض بعد كل سقوط.

المشي في جوهانسبرغ: وجهاً لوجه مع المدينة
حين قررت الخروج من سويتو إلى وسط المدينة، لم أفعلها وحدي. كان معي مرشد محلي من منظمة Dlala Nje، وهي مبادرة شبابية تعمل على تغيير الصورة السلبية عن المدينة. أخذوني إلى هيلبرو، أحد الأحياء التي تُذكر دائماً كرمز للخطر والفوضى. لكنهم أرادوا أن يريني الوجه الآخر، الوجه الإنساني.
في هيلبرو، الحي الذي تحيطه السمعة بالخطر والضياع، اكتشفت وجهاً آخر للحياة في المدينة. كان المشي في جوهانسبرغ يشبه السير داخل تاريخ حيّ، تراه يتنفس بصوتٍ عالٍ. المباني العالية القديمة تروي حكايات زمنٍ لم يرحم سكانه، وجدرانها تغطيها طبقات من الطلاء والكتابات والذكريات. وبينما يسير المرشد أمامي بثقة، أراقب التفاصيل الصغيرة التي لا تُرى من الخارج: النساء يبعن الطعام قرب الأبواب، الأطفال يركضون بين الأزقة ويضحكون رغم فوضى المكان، والموسيقى تخرج من النوافذ العالية كأنها إعلانٌ بأن الحياة هنا لا تُهزم.
حين وصلنا إلى برج بونتي، شعرت أنني أقف أمام ذاكرة المدينة. يبدو البرج قاسياً من الخارج ،شاهقاً كأنه جدار يفصل عالمين. لكن داخله حكايات عن الصعود والسقوط، عن عائلات غادرته وأخرى عادت لتصنع فيه حياة جديدة. وعند صعودي إلى الطابق الأعلى، انفتح الأفق أمامي. بدت المدينة مختلفة تماماً: خليط من الضوء والضباب، بين ما يُقال عنها وما هي عليه فعلاً. تذكرت كل التحذيرات التي سمعتها قبل الرحلة، وضحكت في داخلي. ليس لأن المخاوف كانت مبالغاً فيها، بل لأنني فهمت أن المدن، مثل البشر، لا يمكن الحكم عليها من الخارج.
/https://tf-cmsv2-smithsonianmag-media.s3.amazonaws.com/filer/33/30/33309ede-c8bc-4f05-a142-bb2523f4370a/maropeng_1_960_472_80auto_s_c1_center_bottom.jpg)
من مهد البشرية إلى أسواق المدينة
في اليوم الأخير، ابتعدت قليلاً عن ضوضاء المدينة متجهة إلى الشمال، إلى موقع مهد البشرية. الاسم وحده كان كافياً ليوقظ فضولي. هناك، بين التلال والكهوف الصامتة، أدركت كم نحن صغار أمام اتساع الزمن. تحت الأرض تمتد كهوف ستيركفونتين القديمة، تحكي قصة الإنسان الأول وتذكّرنا بأن الرحلة لم تنتهِ بعد.
عدت بعدها إلى المدينة وكأنني أعود من الماضي إلى الحاضر. أردت أن أودّع جوهانسبرغ على طريقتي، بين أسواقها التي تعكس نبضها الحقيقي. كانت الأسواق صاخبة ومتنوعة مثل المدينة نفسها. في سوق Rosebank Rooftop، تجولت بين الأكشاك واشتريت أساور خشبية من فنانة شابة. وفي سوق Neighbourgoods، جلست على مقعد خشبي أحتسي عصير المانغو وأراقب الناس حولي. هناك فهمت أن المدينة رغم قسوتها تملك روحاً لا تخطئها العين، روح تعرف كيف تجمع الناس رغم اختلافهم.

سويتو.. الحياة كما هي
اخترت السكن في Lebo’s Soweto Backpackers، مكان يشبهني في بساطته وروحه. لم يكن فندقاً فخماً، بل بيتاً صغيراً مفتوحاً على المجتمع، فيه مطبخ مشترك وحديقة يجتمع فيها المسافرون والسكان المحليون حول النار ليلاً. خلال الأيام الأولى، تعرفت على شباب من سويتو يعملون في تنظيم الجولات بالدراجات الهوائية. كانت رحلتي الأولى معهم عبر الأزقة التي تتقاطع كنسيج حيّ، كل زاوية فيها تحمل قصة. مررنا على منزل نيلسون مانديلا ومتحف هيكتور بيترسون، وتحدثنا عن انتفاضة ١٩٧٦ وعن العائلات التي كانت تفصلها جدران السياسة. كنت أستمع أكثر مما أتكلم، أحاول أن أستوعب حجم الوجع الذي تحمله تلك الأرض، وكيف تحوّل الألم إلى حياة جديدة.
كانت سويتو عكس ما تخيلته: حيوية، صاخبة، مليئة بالموسيقى. هناك أطفال يركضون حفاة، نساء يبعن الطعام في الشوارع، وجدران ملونة تروي حكايات الناس. تعلمت أن الصورة النمطية عن الفقر لا تصف الحقيقة، فهنا يعيش الناس بكرامة رغم البساطة، والابتسامة لا تغيب عن الوجوه.
ما تبقى من الذاكرة
لا تُقاس المدن بجمال مبانيها، بل بما تتركه فيك بعد الرحيل. بالنسبة لي، كانت جوهانسبرغ درساً في الإنسانية. تعلمت أن الخوف كثيراً ما يُزرع فينا من حكايات الآخرين، لكن الحقيقة لا تُعرف إلا حين تخوضها بنفسك. كان المشي في جوهانسبرغ اختباراً للشجاعة، ورحلة لاكتشاف الذات. عدت وأنا أحمل في ذاكرتي وجوهاً وصوراً لا تُنسى: طفل يركض خلف دراجة، امرأة تبيع الذرة وتضحك، ورجل يلوّح لي من بعيد. هذه التفاصيل الصغيرة هي ما يجعلني أفتقد المدينة. لم تكن مثالية، لكنها كانت حقيقية.
في النهاية، فهمت أن خطورة المشي في جوهانسبرغ لم تكن عن المغامرة، بل عن الشجاعة في النظر إلى العالم بعينين مفتوحتين. هذه المدينة لا تتصنّع لتكسب إعجابك، لكنها تترك أثراً لا يُمحى حين تمنحها ثقتك. إنها ليست جنة ولا جحيماً، بل مرآة تُريك كيف يمكن للمدن أن تنجو من ماضيها، وكيف يمكن للإنسان أن يجد نفسه في أكثر الأماكن غير المتوقعة.
