قرأت تدوينة هيفاء، والتي تتحدث فيها عن الأجندات الثلاث لترتيب حياتها، وتذكّرت أنني أمرّ بنفس المرحلة. فلقد بدأت كتابة المذكرات لأول مرة في السابعة عشرة من عمري. كل ما أذكره عن تلك المرحلة كُتيّب مخطط، بنقوش بنفسجية وبعض الخطوط الذهبية. في ذلك الوقت، استخدمت تلك الأوراق لكتابة رسائل أو أفكار متفرقة، ولم أتعامل معها كتجربة تدوين أو كتابة اليوميات بالمعنى الذي أعرفه اليوم.
لاحقاً، ومع جائحة كوفيد-١٩، وجدت نفسي أمام تغيير مفاجئ في إيقاع الحياة، ووقت طويل للتفكير واستكشاف الذات. لذلك لجأت إلى الكتابة كنوع من التنفيس، خصوصًا أنني لم أكن أعرف المدة الزمنية التي سأقضيها في كوالالمبور آنذاك. تباطأت وتيرة الحياة فجأة، واختفت الروتينات، وتشابهت الأيام. ومع ذلك، لم يهدأ عقلي. تراكمت الأفكار والتساؤلات والقلق، مع قلة في الترفيه. عندها، استخدمت الكتابة لتفريغ هذا الضجيج الذهني. لم أحاول توثيق أيامي أو بناء عادة ثابتة. بل حاولت ببساطة خلق مساحة بيني وبين كل ما أحمله. في تلك المرحلة، تحولت كتابة اليوميات إلى ملاذ نفسي ومصدر للأمان، في وقت بدا فيه كل شيء غير قابل للتنبؤ.
كتبتُ عن تلك التجربة آنذاك، عندما لجأت إلى المذكرة النقطية في كتابة اليوميات. واليوم، حين أعود بذاكرتي إلى تلك الفترة، أرى أن هذه العودة إلى الكتابة لم تدخل حياتي كممارسة إبداعية، بل جاءت كرد فعل مباشر لنوع محدد من الضغط. ومع ذلك، أدّت هذه التجربة دورها كاملًا طوال تلك المرحلة.
مغادرة ماليزيا مرة أخرى
تلاشت عادة كتابة اليوميات تدريجياً من حياتي مرة أخرى عندما استأنفتُ السفر في أكتوبر ٢٠٢١. عندها، عادت حياتي إلى حركة متواصلة لأجل غير مسمّى، ولم يعد من المعقول حمل الكثير من المذكرات والدفاتر. إضافة إلى ذلك، كنت أتنقل بين أماكن الإقامة ولا أحمل سوى ما يتسع له حقيبة بحجم أربعين لتراً في تلك الفترة.
في ذلك الوقت، لم أتعامل مع هذا التوقف كخسارة. فالسفر والعمل عن بُعد تطلّبا نوعاً مختلفاً من التركيز. تشكّلت الأيام وفقاً للاجتماعات اليومية مع فريق عمل موزّع في شتى بقاع الأرض. لذلك، انصبّ تركيزي على الترتيبات اللوجستية، والبيئات الجديدة، ومحاولات التأقلم في أماكن غير مألوفة. نتيجة لذلك، لم أجد متسعاً جسدياً أو ذهنياً للجلوس والكتابة بانتظام، وحلّت وتيرة الحركة محل وتيرة التأمل.
مع مرور الوقت، استمر هذا التوقف فترة أطول مما توقعت. خلال تلك السنوات، لم ترافقني عادة تدوين اليوميات، ولم أحاول إعادتها حتى بعد استقراري لعامين في موريشوس. هناك، عشت حياة مختلفة، محاطة بالمناسبات الاجتماعية، والمشي على الشاطئ، والغوص كلما سنحت الفرصة. ببساطة، انتمت المذكرات والكتابة إلى مرحلة أخرى من حياتي. النسخة التي كنت عليها آنذاك احتاجت إلى خفة ومرونة وراحة أكبر، بينما تطلبت الكتابة في تلك المرحلة سكوناً لم يكن متاحاً لي.

العودة إلى تدوين اليوميات
عدتُ إلى ماليزيا منتصف العام الماضي، ومع عودتي، مررتُ بنوعٍ مختلفٍ من التحوّل. توقّفت حركتي، لكن التغييرات لم تتوقّف. هناك تعديلاتٌ تجري على مستوياتٍ عديدةٍ في آنٍ واحد، عمليةً وعاطفيةً وشخصية. لقد كانت فترةً تطلّبت الكثير من التأمل الداخلي، حتى وإن لم يكن الكثير منها ظاهراً للآخرين.
بدأتُ التدوين من جديد في أغسطس. هذه المرة، لم يكن الأمر بمثابة إعادة انطلاقٍ أو استمرارٍ لعادةٍ قديمة. بل أصبحت كتابة اليوميات ضرورةٍ ملحّة. فأصبحت وسيلةً للتأقلم مع تراكم التغييرات، وفهم ما كان يتحوّل في داخلي، وإضفاء شكلٍ على أفكارٍ كانت ثقيلةً جداً على النفس. كانت العودة إلى كتابة المذكرات أكثر هدوءاً من المرة الأولى. لم يكن هناك إلحاحٌ لتحديد خطوطها أو قوانينها. كنتُ أعرف تأثير هذه العادة في نفسي، وتعاملتُ معها بتوقعاتٍ أقل. لم يعد الأمر متعلقاً باكتشاف الممارسة، بل باستخدامها كبنيةٍ داعمة بينما كان كل شيءٍ آخر يُعاد ترتيبه.
كلاكيت ١
بدأت كتابة يومياتي مستخدمة دفاتر Travelers Notbook بالحجم العادي. كانت هي ما استخدمته أيضاً في فترة كوفيد-١٩، والمفضلة لدي بحكم صغر حجمها، والذي سهّل عليّ استخدام دفتر واحد لكل شهر أو شهرين على الأكثر. ولكن، كنت أنزعج من المساحة الصغيرة للورق، والذي يعني كتابة محدودة (في عيني). لذلك، قررت مع بداية هذا العام تغيير طريقتي إلى دفاتر بالحجم العادي (A5) من PaperIdeas حتى يمكنني تفريغ كلّ ما في نفسي، بدون حدود..

كيف أدوّن يومياتي الآن؟
تدوين يومياتي الآن بسيط للغاية، بطريقة مقصودة. أكتب مرتين في اليوم، مرة في الصباح وأخرى في المساء. مع مرور الوقت، اكتسبت هاتان اللحظتان دوراً مُختلفاً. لا يتعلق الأمر بالانضباط أو الانتظام بقدر ما يتعلق بإتاحة مساحة في بداية اليوم ونهايته.
في الصباح، أكتب بعد الاستيقاظ مباشرة، قبل أن يبدأ اليوم في فرض قراراته عليّ. غالباً ما تكون أفكاري تكون مُشتّتة، وأحياناً ما تحوم حول سؤال “ماهي مغامرة اليوم؟”. أستخدم الصفحة لتسجيلها كما هي، دون محاولة تعديلها أو تحسينها. ما يظهر في الصباح عادةً ما يكون مزيجاً من التساؤلات، أو النوايا، والمشاعر المُتبقية من اليوم السابق، أو الأحلام التي أحاول تذكرها، والأمور العملية التي تحتاج إلى اهتمام. يساعدني تدوينها على رؤية ما أحمله معي فعلاً في اليوم، بدلاً من اكتشافه تدريجياً من حينما أتوتّر أو أصبح مشتتة.
يُساعدني هذا التدوين الصباحي أيضاً في تشكيل يومي المُقبل. أهدف هنا إلى إضفاء مستوى مُعيّن من الوعي على ما هو مهم وما يحتاج إلى تركيز. ففي أيام، يصبح الأمر مجرد خطة مرنة، وفي أيام أخرى يبقى مجرد تصفية ذهنية بسيطة. وبكلتا الحالتين، يخلق ذلك وقفة بين الاستيقاظ والانشغال بمتطلبات الحياة الخارجية.
لقد انتهى اليوم..
ثم ليلاً، أعود إلى مذكراتي لسبب مختلف. فكتابة المساء تُعنى بفهم الأحداث لا بالتحضير لها. هنا، أتأمل ما جرى، وما بقي عالقاً في ذهني أكثر مما توقعت، وما شعرتُ أنه لم يُحسم. أكتب لأريح نفسي، ولأُحرر جسدي وعقلي من ضغوط اليوم قبل النوم. فغالباً ما تطفو المشاعر على السطح بوضوح أكبر في هذه اللحظات، حين لا تعود هناك حاجة لكبتها.
الكتابة ليلًا تُخبر عقلي أن اليوم انتهى هنا. تُعطي التجارب مساحةً لتستقر، بدلاً من تركها تتلاشى بهدوء في صباح اليوم التالي. مع مرور الوقت، أصبح هذا الإيقاع في الكتابة، بدء اليوم صباحاً واختتامه ليلًا، بمثابة حوار مع نفسي. لست هنا أبحث عن إجابات للأسئلة في عقلي، بل لأفكر بصوت عالٍ، مجازياً.

دفاتر للأشياء الأخرى.
مع أن تدويناتي اليومية تُحفظ في دفتر خاص بها، إلا أنه ليس المكان الوحيد الذي أكتب فيه.
فإلى جانب دفتر يومياتي، أحمل دفتراً صغيراً بحجم A6. هذا الدفتر عملي وغير مُنظم، أحتفظ فيه بالأمور اليومية التي أرغب في تذكرها أو تدوينها بسرعة، مثل المهام، وقوائم الأعمال، واجتماعات العمل، ومواعيد جلسات الاستشارات للرحالة الرقميين، وعناوين منشورات المدونة، وأفكار مقاطع الفيديو على إنستغرام، وملاحظات للقصص التي قد تتحول لاحقاً إلى مقالات Postcard in Transit. إنه المكان الذي تُدوّن فيه أفكار العمل والتفاصيل اللوجستية، حتى لا تتداخل مع دفتر يومياتي. أستخدمه كمساحة مؤقتة، شيء يُمكنني العودة إليه طوال اليوم، دون الحاجة إلى الجلوس أو التأمل.
كما أحتفظ بدفتر بنفسجي اللون، بحجم A5 مُخصص بالكامل لشركتنا الجديدة – Awesome Creatives. هذا الدفتر أكثر تركيزاً وهدفاً، يحتوي على تفاصيل التخطيط، والأفكار، الملخصات، ملاحظات العملاء، جداول المحتوى، التفكير الاستراتيجي المتعلق بالعمل نفسه. هنا تتبلور المشاريع، وتتضح الرؤية، ويتم فيها التفكير الاستراتيجي طويل الأمد. يساعدني هذا الفصل على التعامل مع العمل بالاهتمام الذي يستحقه، دون أن يختلط بأموري الشخصية.
هذا الفصل مهم بالنسبة لي. لكل دفتر دور محدد. لا يُطلب مني تنظيم حياتي أو إدارة عملي، بل هو مساحة للحوار والتأمل والتركيز فقط. لكل شيء آخر مكانه الخاص. فيما أحرص على أن تكون هذه الدفاتر مختلفة شكلاً. فالحجم والتصميم يُعززان وظائفها. يبقى دفتر اليوميات ثابتاً، بينما الدفاتر الأخرى أخف وزناً وأكثر مرونة وأسهل حملاً واستبدالاً. هذا التمييز عملي، ولكنه يحمي أيضاً مساحة التدوين من أن تصبح مجرد وظيفة روتينية.
أين أصبحت كتابة اليوميات الآن؟
لم تعد الكتابة اليوميات تبدو لي كعادة بحاجة للبناء أو المحافظة عليها. إنها ببساطة جزءٌ من يومي، مندمجة فيه بهدوءٍ وعفوية. في بعض الصباحات، تمتلئ الصفحات بسرعة، وفي أحيانٍ أخرى تبقى خالية. وينطبق الأمر نفسه في الليل. لا أقيس قيمتها بكميتها أو عمقها. ما يهمني الآن هو أن الكتابة تمنح أيامي شعوراً بالانضباط. لها بداية ونهاية. وفيما بينهما، أمضي فيها وأنا أعلم أن ما يتراكم يمكنني تفريغه لاحقاً، على الورق، دون استعجال.
لا أتوقع أن تبقى عملية تدوين المذكرات على حالها في المستقبل. إذا تغيرت حياتي مجدداً، فقد تتغير هذه الممارسة أو تتوقف، كما حدث سابقاً. في الوقت الراهن، تؤدي غرضها. فهي تساعدني على البقاء حاضرة في فترة التغيير المستمر، وهذا يكفي.
