كيب تاون تتنفس من البحر وتُصغي للجبا

كيب تاون تتنفس من البحر وتُصغي للجبا


حين غادرت جوهانسبرغ باتجاه كيب تاون، كنت أظن أنني على وشك الانتقال من مدينة إلى أخرى، من حيّ سويتو التقليدي إلى بحر. لم أكن أعلم أنني على وشك دخول فصل جديد بالكامل من حياتي.

الوصول إلى كيب تاون: بداية الحكاية

كل ما كنت أعرفه أن الطقس سيتغير، وربما أحتاج إلى سترة خفيفة في المساء. لكن كيب تاون، في أواخر مارس، لا تشبه شيئاً مما قرأته أو توقعتُه. إنها مدينة تُبدّل جلدها بصمت، وترتدي ضوءاً خفيفاً لا يُدفئ، ورياحاً باردة لا تُعلن عن نفسها. وقد احتجت لأيامٍ حتى أعتاد النسيم الذي يلسع أطراف أصابعي، حتى وأنا أحتسي قهوتي داخل مقهى مغلق.

وصلت إلى كيب تاون بعد رحلة طيران قصيرة من جوهانسبرغ. مطار صغير لكنه منظم، يغمرك بالهواء البارد فور مغادرتك للصالة. وفي الطريق إلى مكان إقامتي، كانت المدينة تمر أمام عيني كفيلم صامت. جبال تلفّ الأفق، والبحر يلمع دون أن يتحرك، والسماء ملبّدة بالغيوم الرمادية، ما جعلني أفكّر في صحة قراري بزيارة هذه المدينة. توقّفت السيارة أمام منزل خشبي صغير في حيّ لا أتذكر اسمه. أتذكر فقط أن الباب كان أزرق، والأرضيات تصدر صريراً كلما تحركت. قررت أن أسكن هذه المرة في بيت بمفردي، حتى أتفرٌغ تماماً للكتابة، وأشحن طاقتي الاجتماعية التي تضاءلت كثيراً في جوهانسبرغ.

البرد في كيب تاون يوقظ الروح!

استيقظت صباح اليوم التالي بصعوبة، الأجواء الباردة هنا تُجبرني على النوم معظم الصباح. أعددت كوباً من القهوة، وشربتها في الحديقة الملحقة بالبيت. لايزال المكان هادئاً، لا سيارات تمرّ في هذا الشارع، على ما يبدو. تحوّط الأشجار العالية بالبيت، وكأنها سور عتيق. والنسيم هنا منعش في الصباح. “عليّ أن أخرج للإفطار”، حدّثت نفسي، بما أنني قررت ألا أطبخ في كيب تاون، أو أينما سافرت خارج دهب.

قررت أن أمشي. لا وجهة، فقط أقدام تشتهي الاكتشاف. كنت أرتدي سترة خفيفة، وأعتقد أنها لم تكن كافية. لا يمكنك مقاومة الهواء في كيب تاون، إنه يرافقك أينما ولّيت وجهك، وعليك أن تعتاد عليه. شعرت أن المدينة كلّها تمشي معي؛ الأبواب الخشبية القديمة، القطط التي تحتمي من الرياح، والعجائز الذين لا يغادرون منازلهم إلا عند الضرورة.

جبل الطاولة في كيب تاون، جنوب أفريقيا

جبل الطاولة: اختبار في الصبر واللياقة!

مسار “بلاتكليب جورج” هو الطريق المعتاد إلى قمة جبل الطاولة. لا يحتاج إلى خرائط ولا مغامرة. فقط حذاء مريح، وزجاجة ماء، وبعض الإصرار. لكن ما لم يخبرني به أحد، هو أن هذا المسار ليس مجرد نزهة جبلية، بل كأنه سلّم طويل لا ينتهي، سلّم حجريّ تقطعه بهدوء، خطوة بعد أخرى، فيما يختبر الجبل مدى رغبتك الحقيقية في رؤيته عن قرب.

كنت أعلم أنه سيستغرق وقتاً. سترى إشارة عند المدخل تقول “ساعتان ونصف”. لكن ساقاي قصيران، وجسدي ليس معتاداً على التسلق منذ أن كنت في النيبال. حسناً، لقد استغرق المسار مني ثلاث ساعات! توقفت كثيراً لألتقط أنفاسي، وأجزاء من اللياقة التي سقطت هنا وهناك، وربما سؤال نفسي “لماذا أصرّ على التعب!” علّمت نفسي ألا أنظر للوقت، بل أراقب من حين إلى آخر إلى الارتفاع خلفي، إلى المدينة التي بدأت تنكمش تدريجياً، والبحر الذي بدا ساكناً كأنه صورة قديمة.

المسار منظم بشكل لا يترك مجالاً للتيه. الصخور مكدسة بتتابع طبيعي، لكنها لا تحييك بهدوء. في لحظة، شعرت أنني أؤدي تمارين صعود درج لا تنتهي، وتمنيت لو أن محمد أخبرني: “هذا الجبل ليس نزهة، بل تمرين طويل في الصبر”. كنت أحمل لتراً من الماء، وكان بالكاد كافياً. لم أكن جائعة، كنت أريد التكوّر في مكان معزول والاستراحة بعيداً عن الرياح الضباب البارد. مرّ بجانبي بعض الهاربين من صبر الجبل. يصعدون كأنهم يركضون من شيء، ينهون المسار في ساعة أو أقل، ويواصلون – مجانين! أما أنا، فكنت أبطئ عمداً، أتوقّف لأتنفّس، أراقب، وأحاول أن أجد علاقة بين الصخور والغيوم.

جبل الطاولة في كيب تاون جنوب أفريقيا

هنا القمة.. لحظة، أين ذهبت؟

حين وصلت إلى الأعلى، كان عليّ أن أمشي أكثر. القمة واسعة، ممتدة، كأنها ساحة معلّقة فوق المدينة. لا يمكن رؤية شيء إن بقيت في المنتصف. عليك أن تسير حتى الحافة، أن تواجه الريح، وهنا، ربما يمكنك أن ترى شيئاً بينما يغلّفك الضباب.

وقفت على طرف صخرة، امتدّ الأفق أمامي، والمحيط يفرد ذراعيه نحو الشمال. لم أرفع الكاميرا فوراً. أردت أن أرى المدينة بنفسي، وربما معرفة الحي الذي أسكنه منذ أسبوع في كيب تاون. الهواء هنا مختلف، أكثر صفاءً، وكأنه خرج للتو من صدفة بحرية. حاولت

وجدت مطعماً صغيراً على القمة. مقهى في مكان لا تتوقع أن تجد فيه شيئاً سوى الهواء. جلست، طلبت شاياً ساخناً، وقطعة من الكعك. أحسست أن جسدي بحاجة إلى الكثير من السكر، فاشتريت قطعة شوكولا سوادء. شعرت أنني أستحق هذا الهدوء. لا أحد يصفّق لك بعد الوصول، لكنّ الجبل يراك. يكفي أن يراك.

لم أكن مستعدة لتكرار النزول على نفس السلالم طبعاً هذا جنون! أخذت التلفريك. المقصورة تنزل ببطء، وتدور قليلاً حول نفسها، تمنحك نظرة بانورامية على المدينة التي كنت تنظر إليها من الأعلى قبل لحظات. فيما ترى مستلقين يصعدون الجبل عامودياً. أخاف من المرتفعات كثيراً، واعتبرت هذا جنوناً طبعاً!

نظرت إلى المسار الذي صعدته، أصبح الآن خطاً باهتاً على ظهر الجبل. بدا بسيطاً من هنا، لكن ساقاي يؤكدان عكس ذلك. تركت شيئاً مني هناك، في إحدى الاستراحات الصغيرة، بين صخرتين، حيث جلست بصمت وخبأت تنهيدة.

قوس قزح في بوكاب، كيب تاون، جنوب أفريقيا

بو-كاب: حيّ يروي التاريخ بألوانه

تعرّفت على سيدة زارت ماليزيا قبل ٢٠١٧ لحضور مؤتمر الحلال السنوي، والذي تنظمه الشركة التي كنت أعمل بها سابقاً. كانت تشبهنا، ولا تشبهنا! ظننتها من أصول هندية أو باكستانية في البداية، ولكنها أخبرتني أنها من جنوب أفريقيا. أمطرتها بالكثير من الأسئلة، فلم يُصادف أن التقيت غير البيض من الجنوب أفريقيين من قبل. أخبرتي أن أصول والدها تنحدر من إندونيسيا، فيما جدّها لوالدتها من الهند. تذكّرتها حينما كنت أخطط لرحلتي في جنوب أفريقيا، وأي الأماكن التي لا أريد تفويت زيارتها، فكان هذا الحي في أعلى القائمة.

حين بدأت أقرأ عن حي كيب مالاي، وجدت أنّ اسمه “Bo‑Kaap” بالأفريكانية يعني ببساطة «فوق الكيب» — لأنه فعلياً يسكن شاطئاً آخر للمدينة، على السفح المواجه لجبل سيجنال (Signal Hill). ستشعر حينما تدخل الحي كما لو أنك تخطو خارج الزمن. من زحمة المدينة إلى لوحة ترسمها البيوت بألوانها اللافتة: زهري، أزرق، أصفر، أخضر — كأنّها تقدم اعتذاراً عن صمتها الطويل.

عُرف الحيّ بعدة أسماء تحكي عن مراحل من تاريخه. في بداياته في القرن الثامن عشر، كان يُعرف بـ Waalendorp، ثم تحول إلى “حي الملايويين”، أو Malay Quarter، ومع الزمن لُقب أيضاً بالفجوة السكوتلاندية (Schotshekloof). لكنه اليوم يعرف محلياً باسم Bo‑Kaap.

ما قصة هذه الألوان؟

كانت البيوت كلها مطلية بالأبيض، بما أنها كانت مؤجرة للعبيد. لكن بعد حصول السكان على حق امتلاكها، أصبحت البيوت لوحات تعبّر بصمت عن التحوّل: إنه إعلان أن من يسكنون هنا لديهم قوة على إعادة تعريف مساحتهم، ولغتهم، وذواتهم.

ما لا تقوله البيوت الملونة في Bo‑Kaap، تقوله الذاكرة. فهذا الحي، الذي يفيض اليوم بالحياة، قد وُلد من رحم الألم. ففي القرن السابع عشر، حين بدأت شركة الهند الشرقية الهولندية بنقل العبيد إلى رأس الرجاء الصالح، لم تكن كيب تاون وجهة حرّة. بل كانت مستعمرة تبني أساسها على أكتاف من لم يُمنحوا حق الحُلم. جاء العبيد من أماكن شتّى: إندونيسيا، الهند، مدغشقر، شرق إفريقيا، وحتى من الملايو في أرخبيل جنوب شرق آسيا.

كان العبيد يُجلبون بالسلاسل ليعملوا في الزراعة، خاصة في مزارع الكروم والقمح والماشية. قُطعت عنهم اللغة، وضُيّقت عليهم العبادة، وجرى تفكيك الأسر عمداً. لكنهم لم يفقدوا جذورهم. حافظوا على الذاكرة في الأكل، في الأهازيج، في الإيماءات الصغيرة. تلك البهارات التي تسري في طبق كيب مالي، ليست فقط للنكهة — بل لتذكير العالم أنهم ما زالوا هنا، وأن الهوية التي حاولوا محوها، عادت قوية، مطهوة على نار هادئة.

عبق البهارات: طعام كيب مالاي هوية وصمود

تتبّعت رائحة القرفة والهيل، فوجدت نفسي أمام مطبخ يكشف المزيد من القصة. عند الحادية عشرة صباحاً، يتسلل عبق الطعام من نوافذ الحي ليخبرك عن لذّة ما تصنعه السيدات هنا. تذوّقت السموسة والكوكسستر — العجينة الخفيفة التي تذوب في الفم مع رذاذ جوز الهند، لا تُتناول فقط، بل تتأمل كل لقمة منها. هذا المطبخ هو أرشيف الصمود: وصفات كتبتها اليدان اللتان صنعتا الحرية بعد طول عقود من الصمت.

أخذتني خطواتي إلى Atlas Trading — محل التوابل الأشهر في الحي. ليس مجرد متجر، بل سوق بذور ذكريات. كان أشبه بسوق شرقي قديم، قبل أن يتحوّل قليلاً إلى التصميم العصري، لكنه لم يفقد طعمه ولا فوضاه الهادئ.

واليوم، رأيت Bo‑Kaap كقصة تحفّظ وترحيب في آن معاً. رغم أنها أصبحت إحدى المناطق الأكثر جاذبية للسياح، فإنّه لم يخُلا المكان من مشاكل التجمّل (gentrification). ينزعج السكّان من الضجيج المتكاثف في الحي، وفضول السائحين الذين يلتقطون صور كل شيء بدون إذن. ناهيك عن وازدحام الحافلات، وتهديدات المؤسسات الجديدة التي قد تضيّق أجواء الحياة فيها. Bo‑Kaap ليست مجرد حي ملوّن، بل هي وجهٌ حيّ يخبرك بقصّة بالغة العُمق: أسْرى أصبحوا مواطنين، وبسمة الظلال تحوّلت إلى ألوان تُعلن أن التاريخ لا يموت، بل يلامسك في كل صلاة، وطعام، ونوافذ تُقارن بين ما فات وما صار.

كيب تاون، مدينة الشواطئ الخلابة

كيب تاون، مدينة الشواطئ الخلابة 

لم تمنعني الأجواء الباردة من الاستمتاع بالشواطئ في كيب تاون. لم يكن من الضروري بالنسبة لي الآن أن أسبح، على قدر ما أردت المشي على الشاطئ والاستمتاع بأجوائه، خاصة مع كثرتها. فلا يمكن لمدينة تُطلّ على محيطين أن تملك شاطئاً واحداً فقط. كيب تاون تفهم هذا جيداً. فكل زاوية من سواحلها تحكي حكاية مختلفة. شواطئها ليست مكاناً للسباحة فحسب، بل هي مزاج، وتقلّب، وبوصلة قلب.

في صباح باكر، اتجهت إلى Clifton Beach، حيث تتوزع الشواطئ إلى أربعة خلجان صغيرة. هناك، بدا البحر أكثر لطفاً، والرمال أنقى مما تخيلت. كانت العائلات تفرش أغطيتها، والشباب يلعبون الفريسبي، بينما جلستُ على صخرة عالية أرقب الامتداد الأزرق. لا ضوضاء، فقط هدير البحر وموسيقى تأتي من بعيد. بقيت هنا لساعات، أتشمّس وأتأمل الحياة تجري أمام عينيّ.

في يوم آخر، قررت زيارة Camps Bay نهاية يوم عمل طويل. تختلط هنا أناقة المطاعم بمشهد المحيط. الكورنيش مليء بالمقاهي التي تتسابق بأعلى صوت للموسيقى، لكنني لم أجد في نفسي رغبة للجلوس. فضّلتُ المشي حافية على الرمل، أراقب طيف الغيوم يتحرّك فوق رؤوس الجبال، وأتساءل عن أول شخص وقف هنا قبل قرون، كيف رأى هذا المكان؟

كامبس باي: لحظة غروب بنكهة حنين

في عطلة أسبوعية، قصدت Muizenberg، الشاطئ الأشهر بين راكبي الأمواج. تصطفّ الألواح الملوّنة كلوحات فنية، وأصوات الموج تُغري بالتجربة حتى لو لم تكن تعرف شيئاً عن التوازن. كانت الشمس أكثر دفئاً، والهواء أخف. ووسط ضحكات الأطفال ورائحة الوافل من أحد الأكشاك، شعرت أني في لوحة سريالية، حيث لا يُطلب منك أن تفهم كل شيء — فقط أن تشعر. أوه، السباحة هنا مريحة وسهلة للغاية أيضاً، خاصة وأن هذا الجزء من المدينة يطلّ على المحيط الهندي.

في آخر أسبوع لي في كيب تاون، سكنت في Camps Bay، فقط لأغير مشاهد الاستيقاظ كل صباح. وصلت المكان قبل الغروب بقليل. الشارع المتاخم للشاطئ بدا كأنه لوحة زيتية طويلة؛ نخيل يصطف بهدوء، مطاعم راقية ذات شرفات مفتوحة، ومارة يرتدون نظارات شمسية حتى في غياب الشمس. كانت الموجات تتكسر بهدوء، وكأنها تعلم أن هذه المنطقة لا تحتمل العنف. جلستُ على حافة الرصيف، أراقب ضوء الشمس وهو ينساب ببطء على صفحة الماء. خلفي، يقف جبل الإثني عشر رسولًا كحارسٍ قديم، بينما كانت الألوان تتبدل في السماء من البرتقالي إلى الوردي، ثم إلى البنفسجي الخافت. الهواء بارد، لكنه لا يلسع. فيه شيء من العناق الهادئ، مثل يدٍ على كتفك تقول: “ابقي قليلاً”. وأدركت حينها أن كيب تاون لا تعرّف البحر كما نعرفه نحن. إنه ليس مجرد مساحة مائية، بل مشهد داخلي. مرآة تعكس ما تخفيه المدن، وما لا نقوله لأنفسنا.

في وداع كيب تاون، لأول مرة

لم أكن أبحث عن شيءٍ في كيب تاون، ولا كنت أظن أنها ستمنحني أكثر من هواءٍ منعش ومناظر تُرضي العين. لكن المدينة — مثل البحر الذي يحيطها — لا تُعطيك ما تطلب، بل ما تحتاجه. كنت أظن أنني سأكتب كثيرًا هنا، لكنني صمتُّ أكثر. كنت أظن أنني سأركض نحو الاكتشاف، لكنني مشيت ببطء، كما لو أن الشوارع نفسها كانت تهمس لي: “توقّفي، وانظري.” في كيب تاون، تعلّمت أن الجمال لا يُلوّح بيديه، بل ينتظر بصبر مَن يقترب منه. وحين اقتربتُ، وجدت مدينة لا تنتمي للصور التي نُشاهدها، بل تنتمي لما لا يُقال. مدينةٌ تتنفس من البحر، وتُصغي للجبال، وتُعلّمك أن بعض الأماكن لا تُزار… بل تُعاش.

أسما قدحAuthor posts

Avatar for أسما قدح

Malaysian Travel Blogger on #TRLT. En-Ar Translator & Content Writer | مدونة ومترجمة ماليزية رحالة في الطرق الأقل سفراً

التعليقات معطلة.