كوالالمبور: تسلق مرتفع بروقا

على بعد أربعين كيلومتراً من كوالالمبور، يقف مرتفع بروقا أو كما يعرفه السكان المحليون باسم Bukit Lalang. بدا كأنه قصيدة من أعشاب اللالنج التي تغطي سفوحه وتمتد مع الريح مثل أمواج صغيرة. لا يتجاوز ارتفاعه أربعمائة متر، لكنه يحمل في قلبه أكثر مما تُخبر به الأرقام. هناك، بين ضوء الفجر وضباب السهول، يبدأ الزائر رحلة تبدو بسيطة لكنها تترك أثراً طويلاً في الروح.

خطوات على طريق الفجر

أتذكر جيداً صباح أكتوبر ٢٠١٦، حين قررت أن أخوض التجربة. لم أكن في كامل لياقتي البدنية، وركبتي اليسرى تذكّرني بإصابة قديمة في أستراليا، لكن الرغبة في اكتشاف نفسي دفعتني للصعود. كانت الأمطار قد غسلت الأرض في الليلة السابقة، فصار المسار موحلاً يختبر التوازن في كل خطوة. كنت أصعد بين أصوات الطيور التي بدأت يومها، وبين رائحة الأرض الرطبة التي تختلط مع أنفاسي المتقطعة. ومع كل ارتفاع كان الضوء يتغير، من الرمادي الباهت إلى الأزرق الفاتح ثم إلى خيوط ذهبية تسللت من خلف الغيوم.

لم أصل إلى القمة الأخيرة، فقد وجدت عند الثانية ما يكفيني من الدهشة. جلست هناك أتأمل السهول الممتدة مثل بساط أخضر لا ينتهي، والقرى الصغيرة المبعثرة كنقاط بيضاء فوق الغابة، ومزارع نخيل الزيت التي ترتب المشهد كخطوط مرسومة بعناية. الضباب كان يتصاعد من الأرض كأنها تتنفس، يغطي المشهد بسجادة بيضاء تُخفي وتكشف في اللحظة نفسها. لم يكن الوصول إلى النهاية هو الغاية، بل أن أترك لنفسي فسحة لأصغي لما يقوله المكان.

بروقا تضعك في مواجهة الجسد والروح

كان الصعود في ذاته مواجهة. جسدي الذي لم يتمرن منذ شهور كان يتذكر كل ضعف، لكن روحي كانت تدفعني خطوة بعد أخرى. أدركت أن التسلق ليس مجرد اختبار للعضلات، بل مرآة تُريك نفسك على حقيقتها. كل توقف كان مصالحة، وكل انزلاق على الطين كان درسًا في النهوض من جديد. حتى النزول، الذي بدا أصعب مع خوف الركبة والزلقات المفاجئة، كان استمرارًا لهذه المواجهة. في النهاية لم أشعر بالهزيمة لأنني توقفت عند القمة الثانية، بل بالتصالح مع فكرة أن التوقف أحياناً هو نوع آخر من الوصول.

بروقا لا يتحدث بالأرقام بل بلغة خاصة. الأعشاب التي تصفق مع الريح، الطيور التي ترسم موسيقى خفية، الضوء الذي ينحدر من وراء الغيوم ليغمر كل شيء حولك. هناك لا تشعر أنك متسلق جاء ليشاهد مشهدًا، بل كجزء من الصورة نفسها، مكوّن صغير في لوحة أوسع من أن تُحتوى.

صعود مرتفعات بوكيت بروقا (Broga Hill)

حين يولد الشروق

الشروق في بروقا ليس مجرد لحظة عابرة، بل عرض كامل. الضباب يرقص كراقص أبيض فوق السهول، والأشعة الذهبية تشق طريقها لتكشف تفاصيل الغابات والمزارع والقرى. من القمة تشعر أن السماء ليست بعيدة، وأنك أقرب إليها مما تتصور. وربما لهذا السبب صار المرتفع وجهة مفضلة لعشاق التصوير، ولمن يبحثون عن لحظة يلتقي فيها التعب بالمعنى.

بعد النزول يعود البعض إلى القرى القريبة حيث ينتظرهم إفطار ماليزي بسيط أو فنجان من القهوة السوداء المعروفة بالكوبّي. آخرون يواصلون يومهم نحو سيمينياه أو أماكن ريفية أخرى. أما أنا فعدت إلى كوالالمبور محملة بما يكفي من الدهشة والسكينة، شعور لا يشبه أي غنيمة مادية. اليوم وبعد سنوات، ما زلت أذكر تلك اللحظة كما لو كانت بالأمس. لم يبق في الذاكرة مقدار التعب، بل بقي المشهد: الضباب الأبيض، السهول الخضراء، والشمس وهي تولد من رحم الليل.

قد لا يكون مرتفع بروقا الأعلى ولا الأصعب، لكنه يعلمك أن القمم لا تُقاس بالارتفاعات، بل باللحظات التي توقظك من الداخل. هناك، بين الأرض والسماء، تدرك أن الوصول ليس دائمًا في بلوغ النهاية، بل في ذلك الاكتفاء العميق حين تقول: هنا وجدت ما كنت أبحث عنه.

أسما قدحAuthor posts

Avatar for أسما قدح

Malaysian Travel Blogger on #TRLT. En-Ar Translator & Content Writer | مدونة ومترجمة ماليزية رحالة في الطرق الأقل سفراً

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *