الحياة بتأن

الحياة بتأن


دائماً ما تكون دانة آخر من ينتهي من تناول طعامه، حتى لو وُضع الطبق أمامها أولاً. أضحك كلما تذكرت جملة مجاهد الساخرة وهو يعلّمها كيف “تبتلع اللقمة” بعد ثلاث مضغات فقط، واحد، اثنان، ثلاثة! كان المشهد مضحكاً بتعابيره، لكنه لم يكن مضحكاً لها. كنت أراقبها عن بُعد، أرى كيف تختار الطعام الذي تحبه بحذر، وكيف تتلذذ بكل قضمة كأنها سر صغير. صباحًا، تتناول حبوبها المفضلة cocoa crunch بترتيب غريب: أولاً القطع السوداء ثم البيضاء، وكأنها ترتب لحظة متعتها بدقة. لم يكن في الأمر مرض أو اضطراب، بل كان نوعاً آخر من العيش.. العيش بتأنٍ.

دانة التي تعرف سر البطء

أتذكرها وهي تصنع الـ Slime لساعات، تخلط الصمغ ببطء، ثم تضيف البيكنغ صودا، ثم المكونات الأخرى واحدة تلو الأخرى، كأنها تؤلف سيمفونية خاصة. كنت أراقبها بحذر، أخشى من خطورة المواد، لكنها لم تكن تشعر بأي استعجال. كانت تنغمس في الحركة البطيئة وكأنها تعرف intuitively ما نسميه اليوم التركيز بكامل الذهن أو Mindfulness. لم تسمع بمحاضرات TED ولا بجلسات التأمل، لكنها كانت تعيشها بطريقتها، تأخذ وقتها لتستمتع باللحظة بكل تفاصيلها.

بينما أنا، كان صباحي يبدأ كالدوامة: منبّه عند السادسة وأربعين دقيقة، تمرين لا يزيد عن خمسين دقيقة، استحمام سريع، تحضير إفطار بسيط خلال عشرين دقيقة بينما أتابع مقاطع على يوتيوب. حتى قهوتي لم تعد تستحق نصف ساعة من التأمل عند الشرفة. الوقت يلاحقني، والسائق ينتظر عند الثامنة والنصف. يعود المساء بدوامة أخرى: عشاء خفيف، أحاديث مقتضبة، ساعة ونصف فقط قبل النوم. هكذا يمر الأسبوع كله، سريعًا كأنه لا يترك أي أثر خلفه.

سألت نفسي: متى كانت آخر مرة خرجت من المنزل فقط لأتناول آيسكريم بلا سبب؟ متى جلست في الحديقة المجاورة بعد العمل بلا خطة أو قائمة؟ هذا الجري المتواصل سرق تفاصيل كثيرة. أتذكر مشهدًا من فيلم Eat, Pray, Love حين تسأل إليزابيث صديقتها: “هل تتذكرين ما الذي تناولته على الغداء؟” فتجيب: لا أدري، ربما سلطة. وأنا كذلك لا أتذكر وجباتي رغم أنني من يحضرها، لأنني ببساطة لم أكن حاضرة وأنا أتناولها.

عبء تعدد المهام

كبرنا على أن السرعة فضيلة، وعلى أن القدرة على فعل عدة أشياء في وقت واحد علامة نجاح. أمّ تعد الطعام وتساعد أطفالها وتتابع مسلسلها في آن واحد. لكنني أدركت أن تعدد المهام ليس براعة بقدر ما هو تشتيت. في عملي، أكتب وأقرأ وأعدل، ثم أعود لأكرر لأن تركيزي تاه في الطريق. حتى في الاجتماعات يزعجني من يقلب في هاتفه أو يرد على إيميل بينما نتحدث. كأننا لم نعد نعرف معنى الإصغاء الكامل.

بدأت أبحث عن توازن جديد. رتبت فواتيري لتُخصم أوتوماتيكياً كل شهر، وخصصت خمس دقائق فقط كل صباح لجلسة تأمل قصيرة عبر تطبيق بسيط. جعلت يوم السبت ملاذي: للعناية الشخصية، للكتب، للكتابة، ولعشاء هادئ بلا استعجال. صباح الأحد صار موعداً ثابتاً للفطور المتأخر مع الصغيرين ثم جولة تسوّق أسبوعية ننهيها بخفة. حتى رحلات قصيرة نهاية الأسبوع صارت جزءاً من حياتنا، كأنها ومضات صغيرة تضيء الازدحام.

ما بين دانة والحياة بتأنٍ

أفكر في دانة كثيراً. في طريقتها في مضغ الخبز ببطء أو خلط الألوان بلا استعجال. وأتساءل: أليست هذه هي الحياة كما ينبغي أن تكون؟ ربما ما نظنه تأخراً هو في الحقيقة وعي عميق بما نفعل. ربما كل ما أحتاجه هو أن أتعلم منها كيف أعيش بتأنٍ، كيف أُعطي اللحظة وقتها بدل أن أركض نحو اللحظة التالية. لم تقرأ دانة كتب التنمية الذاتية، ولم تحضر ورش التأمل، لكنها تعلّمت ببساطة أن تبطئ. وأنا، كلما نظرت إليها، أفهم أن السر ليس في إنجاز المهام، بل في أن نعيشها كما لو كانت أثمن ما لدينا.

أسما قدحAuthor posts

Avatar for أسما قدح

Malaysian Travel Blogger on #TRLT. En-Ar Translator & Content Writer | مدونة ومترجمة ماليزية رحالة في الطرق الأقل سفراً

2 تعليقات

  • الله يا سوما
    أظن لي ٣٠ دقيقة في مدونتك … هذا الموضوع تحديدا يشكّل لي تحدي، أعتقد أن السرعة سِمة في سلوكي اليومي، بمجرد ما أبدأ بعمل ما، يشتغل في ذهني صوت عدّاد تنازلني: انجزي هذا العمل بأسرع وقت ممكن. أنجزه فعلا وكونه يكون منجزا بشكل “متقن” هذا أمر يجعلني أشعر أن النمط السريع “لا مشكلة” في أسوأ الأحوال، و “واو.. هذه مهارة جيدة” في أحسنها، هذا الشّعور مخادع وزائف. لأسباب عديدة، أخطرها: القلق البالغ عند اختلال هذه السرعة، رغم عدم وجود أي مبرر، ولا أي ضرر، الأمر الآخر المزعج هو انسحاب هذه العادة من “الانجاز السريع لمهام العمل” إلى ” الانجاز السريع لكل شيء!” ، وضعت لنفسي عدة قوانين – أخرقها أحيانا- لكنني أعود:
    ١- الأكل على طاولة الطعام، لا مزيد من حمل الصحن وإنهائه في المسافة بين المطبخ والغرفة! ولا مزيد من تناول الفطور في السيّارة، وإذا لم يكفني الوقت للأكل قبل الخروج، سأتنظر إلى أن أصل وآكل بهدوء في منطقة الطعام والانتظار، ليس على المكتب.
    ٢- سأقف وأنتظر القهوة حتى تغلي، الأمر لن يستغرق أكثر من ٣-٥ دقائق، كنت في السابق املأها بأي عمل آخر: العودة للغرفة، تقليب الجوال، العودة إلى التلفزيون، كنت دائما ما أفوّت لحظة الغليان، وأهرع بمجرد سماع صوت القهوة تفور على النار.
    ٣- عندما لا أحصل على وقت كافٍ للتحضير قبل الخروج، أقف للحظة وأتخذ قرارا: سأنجز شيئا واحدا بشكل مميز، والبقية بشكل اعتيادي، لن أتحرك بسرعة جنونية لانجاز كل شيء، إما مكياج نظيف أو شعر مسرّح بشكل رائع.
    ٤- سأجلس على كرسي وأسند كفّي واطبّق المناكير بشكل هادئ ، تطبيق المناكير بسرعة وقوفا أو في السيارة، وإن كان متقنا لكنني نسيت روعة الأمر، روعة الجلوس والاستمتاع بهذا الفن.
    ٥- عندما أقرر مشاهدة محادثة تِد أو يوتيوب، لن أتنقل بسرعة بين عشرات المقاطع ذات الدقائق القصيرة والتي سينتج عنها ضياع أكبر للوقت، لا مشكلة من قضاء ١٩ دقيقة للاستماع إلى محادثة جيدة أو حتى ٤٥ دقيقة لمشاهدة حلقة ثريّة.
    اممم هذا الحاضر في ذهني حتى الآن.

  • كالعادة، مواضيع شيّقة جدًا لا تستطيع الإفلات دون أن تختتم التدوينة حتى آخر نقطة..
    دانة تشبهني في فقرة الاستمتاع بالأكل، وإذا تمعنت أكثر فهي تشبهني أيضًا في معظم الأشياء، لا يمكنني أبدًا الخروج عن النمط الذي اعتدت عليه.. وكنت أظنها نقطة ضعف لكن يبدو أنها نعمة تستحق الشكر ?

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *