أصوات للكتابة

أصوات للكتابة


أكتب كل يوم تقريباً، ومع ذلك لا تتكرّر الكتابة كما لا يتكرّر المطر. الجملة التي تأتيني صباح الإثنين لا تُشبه تلك التي أطاردها مساء الخميس؛ مزاجٌ يلمع ثم يبهت، فكرةٌ تتقدم خطوة وتتأخر خطوتين. لم أنجُ من هذا التقلّب إلا حين اكتشفت مفتاحاً صغيراً يُفتَح به الباب كل مرة: صوتٌ ينساب خلف ظهري كمن يربّت على الكتف ويقول؛ ابدئي الآن. في البداية كان الصوتُ مجرّد قناعٍ أضعه لأحجب به ضجيج المكاتب والهواتف وأحاديث الزملاء؛ موسيقى بلا كلام، أوبرا بعيدة، عزف بيانو لا يطالبني بشيء. ثم شيئاً فشيئاً تحوّل القناع إلى طقس، والطقس إلى ضرورة، وصرتُ أعرف أنني ما إن أضع السماعتين حتى تتكوّن أمامي مساحةٌ يمكن للكلمات أن تتنفّس فيها.

كنتُ أظنّ أنّ الموسيقى حائطٌ أتّكئ عليه لأمنع العالم من المرور إلى رأسي؛ فإذا بها بابٌ يفضي إلى الداخل. أبدّل عملي عبر السنوات، فتتبدّل معي طبيعة الكتابة: ترجمةٌ دقيقة تحتاج إلى إيقاع متزن، تدقيقٌ لغوي يطلب ضوءاً أبيض ومجهراً، ثم إدارةٌ وتقارير واجتماعات متتابعة تقتطع من يومي مربّعاتٍ كثيرة. وسط ذلك كلّه صرتُ أصنع فجراً صغيراً قبل بدء الضجيج: نصف ساعة مبكّرة تسبق وصول الجميع، أضع فيها سماعتي وأُطلق مقطوعةً طويلةً تساعدني على جمع أطراف الفكرة قبل أن تُبدّدها الأسئلة والمكالمات وتوقيعات الأوراق.

خرائطُ للصوت تُطابق خرائط النص

كما تتغيّر عدسة التصوير بتغيّر المشهد، يتغيّر اللحنُ بتغيّر ما أكتب. التقارير الثقيلة، بأرقامها وجداولها، تحتاج موسيقى تُشبهها: طويلةُ النَّفَس، متصاعدةٌ ببطء، تُعين الدماغ على التماسك. النصوص الشخصية تفضّل حميميةً أخف: بيانو منفرد يترك فراغًا بين نغمتين كي تمرَّ منهما الذكرى؛ رباعية وترية تلتقط ارتباكي ثم تُعيد ترتيب أنفاسي. وحتى المراجعة والتنقيح لهما مقامٌ آخر؛ كأن النصّ بعد كتابته يحتاج مرآةً صوتية يرى نفسه فيها، ليتخفّف من الزوائد ويستعيد وزنه الحقيقي.

صوتٌ بعينه قادرٌ على فتح غرفةٍ بعينها في الذاكرة. أُشغّل مقطوعةً قديمة فأسمع معها وقعَ خطاي في ممرّ مكتبٍ بعيد، رائحة القهوة في زاويةٍ كنتُ أنجو إليها، نافذةً كنتُ أراقب منها مدينةً تستيقظ ببطء. يحدث أن تعيدني الأغنيةُ إلى كتابةٍ أحببتها، أو إلى خطأٍ تعلّمتُ من قسوته، أو إلى نصٍّ ما كان ليولد لولا تلك الأربع الدقائق من كمانٍ يفتح باباً كان يوحي أنه مُحكَم الإغلاق. ليس الأمر سحراً، لكنه أيضاً ليس صدفة؛ فالنغم يدرب الحواس على التزامن، وعندما تنتظم الحواس تتقدّم الجملة إلى مكانها الصحيح.

رقصةٌ بين الإيقاع والنَّفَس

أكتب أحياناً بسرعةٍ كأن أصابعي تلاحق عازفاً لا يريد أن يُبطئ؛ وأكتب أحيانًا بتأنٍّ كمن يمشي فوق حصى رطب بعد المطر. الموسيقى هي المِترونوم الخفيّ لهذه الرقصة. إذا احتجتُ إلى شجاعةٍ للجملة الأولى، بحثتُ عن افتتاحيةٍ قوية، وإذا أردتُ أن أُطيل البقاء في فقرةٍ تتطلّب إصغاءً شديداً، تركتُ لحناً هادئاً يطيل الهواء بين كلمتين. حتى علامات الترقيم، أحياناً، تتأثّر: الفاصلة تُشبه توقّف الناي لالتقاط النفس، والنقطة تشبه انطفاءَ الطبلة في نهاية المقطع.

أكثر ما علّمتني إياه الموسيقى أنها لا تُلغِي الحاجة إلى الصمت؛ بل تقودني إليه. بعد مسوّدةٍ طويلة أطفئ كلَّ شيء وأصغي إلى الورقة نفسها. يخرج صريرٌ خفيف من القلم، يتهجّى الإصبعُ زرّ العودة إلى السطر، يلتفت القلب ليرى إنْ كان النصّ يمشي وحده الآن. في هذه اللحظة أعرف أن الدور عاد إلى الصمت، وأن الموسيقى أدّت مهمتها الأولى: أن تُنقذني من التشويش، ثم تتوارى كي لا تُغطي على نبض الجملة.

العمل والإدارة وطقسُ الإنقاذ الصغير

كثرة الاجتماعات تُربِكُ الأفكار، وتبدّد الماء من الكأس قبل أن تذوقه. تعلمتُ أن أستعيد زمام يومي بأمرين بسيطين: موعدٍ مُبكّر مع الصفحة، ولحنٍ يثبّتُ ذهني حيث يجب أن يكون. أكتبُ “سرد الحالة” الشهري، وأقرأه على موسيقى أكثر ثراءً من الأرقام كي لا يتحوّل النصّ إلى قائمةٍ بلا روح. أراجعُ المقترحات على لحنٍ أقلّ صخبًا كي تسمع أذني ما بين السطور. ثم أوقّع على الأوراق في صمتٍ كامل لأرى الحوافّ القانونية للنص بلا زخارف. هكذا صارت الموسيقى جزءاً من إدارة الانتباه، لا ترفاً جمالياً فحسب.

في السفر والبيت والمقهى: أصوات المكان أيضاً تكتب

لا تُصنَع الأصوات كلّها في السماعات. هناك مقهى أصير فيه أكثر قدرةً على البدء لأن الخلطَة السحرية لا تعتمد على أغنيةٍ محدّدة، بل على خشخشةِ أكوابٍ وبابٍ يُفتح ويُغلَق، وعلى مُحادثاتٍ لا تعنيني فأتركها تمرّ. في البيت لي نافذةٌ تتسلّقها شجرة، أسمع عبرها صفيرَ الدراجات في الشارع البعيد ثم يخفت الصوت مع انحناء الغصن. في السفر يتغيّر كل شيء؛ أكتبُ في مطارٍ على نغمة خطواتٍ لا تملك وقتاً للقصائد، وأكتبُ في فندقٍ على هدير جهاز التكييف الذي يتحوّل لفرشاةٍ تُنعّم خشونة اليوم. الأصوات ليست خلفيةً للكتابة؛ أحيانًا هي الكمانُ الوحيد المتاح، وأحياناً هي الصمت الذي نحتاجه كي نُصدر أوّل نغمة.

أنتهي من المسوّدة، فأطفئ الصوت بحركةٍ صغيرة. كأنني أقول للنص: اختبرْ نفسك الآن. أقرأ، أعدّل، أبدّل ترتيب الجمل؛ ثم أُشغّل مقطعاً قصيراً لطيفاً فقط كي لا أعود إلى العالم بسرعةٍ جارحة. بقيتُ أعلم أن أفضل اختبارٍ لسلامة النص هو أن يقف على قدميه بلا عكّاز، والموسيقى—مهما أحببتُها—قد تتخفّى أحياناً فيصير لها ظلٌّ على الصفحة. لذلك أعطيها حقّها، وأمنح الصمت حقَّه، وأحاول أن أترك للكتابة مساحةً لتبرهن لنفسها أنها تستطيع المشي وحدها.

طقسي الصغير الذي يتبدّل ولا يزول

لا قائمةَ ثابتةً عندي، ولا “بلاي ليست” تُشبهُ كلَّ الأيام. هناك مقطوعاتٌ تُرافق مرحلةً بعينها ثم تلوّح لي مودّعة حين أتغيّر. ما يبقى هو الهيكل: بدءٌ مُبكّر قبل أن يزدحم اليوم، لحنٌ مناسبٌ لنوع النص، مراجعةٌ في صمتٍ يسمعُ ما فاتني، واستعدادٌ للانقطاع عند الحاجة. حتى حين لا أضع سماعةً في أذني، أظلّ أشعر أن الكتابة صارت تسمع؛ تسمع وقعَ نفسها، وترفق بذاتها، وتجرّب أن تكون أكثر أمانًا وهي تخرج إلى العالم.

وأنا أكتب هذه السطور، ينساب خلفي عزفٌ هادئ، وأفكر بكم أنتم: ما الصوتُ الذي تحتاجه جملتك الأولى كي تتجرّأ؟ هل تكتب في صمتٍ تُسمَع فيه دقّةُ قلبك، أم تحتاج ضوضاءَ المقهى، أم موسيقى تُشبه الباب الذي يُفتح؟ ليست الأصواتُ تفصيلًا صغيرًا في الكتابة؛ كثيرًا ما تكون هي اليدَ التي تُمسك بالقلم من وراء الستار، وتتركه يمشي بثقةٍ أكبر، لأن الكتابة فعلٌ شبه غير روتيني، يحتاج كلَّ مرةٍ إلى مفتاحٍ مختلف، وإلى نغمةٍ تُذكّره من أين يبدأ.

أسما قدحAuthor posts

Avatar for أسما قدح

Malaysian Travel Blogger on #TRLT. En-Ar Translator & Content Writer | مدونة ومترجمة ماليزية رحالة في الطرق الأقل سفراً

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *