IMG 2529

الإطلالة على جبل كلمنجارو من موشي تنزانيا


تعتبر موشي، وهي مدينة تقع في المنطقة الشمالية من تنزانيا، وجهة استثنائية للزيارة. مزيجها الفريد من المناظر الطبيعية الحضرية والريفية يجعلها مكاناً هادئاً وممتعاً للاستكشاف. ستجد في هذه المدينة السياحية الصغيرة كل ما تبحث عنه. من جبل كليمنجارو المهيب إلى السكان المحليين الودودين والمرحبين، وبالطبع، هناك الكثير من  المغامرات والأنشطة الأماكن التي يمكنك استكشافها! فبعد أن قضيت أسبوعاً هادئاً جداً وعشت الحياة القروية المثالية في كيلوا ماسوكو. إنها نهاية عام ٢٠٢٢، وأردت أن أحتفل ببداية ٢٠٢٣ بطريقة مختلفة، على قمة كلمنجارو مثلاً! قلت لنفسي، استمتعي بأجواء المدينة المبهرة بتراثها وتاريخها ومزيج الثقافات. إنها مكان رائع للاسترخاء والاستعداد قبل مغامرة كلمنجارو أو رحلات السفاري، والقهوة اللذيذة.

حين بدأت ملامح موشي تظهر من بعيد، بدا لي الجبل قبل المدينة. كلمنجارو ظهر أولاً، بقمته البيضاء التي تشقّ الغيوم، كأنه يعلن وصولي قبل أن أصل. عند سفحه تمتد مدينة صغيرة، هادئة كأنها وُجدت لتذكّرك أن البطء ليس تأخيراً، بل طريقة حياة.

السكن في Mkoani Homestay موشي تنزانيا

كيف قضيت أيامي في موشي

لنتّفق على شيء واحد؛ لم أزر تنزانيا بحثاً عن رحلات السفاري، ولا رغبةً في الانضمام إلى  جولاتٍ سياحيةٍ تقليدية. ومن يعرف أسلوبي في السفر، يدرك أن هذا أمرٌ طبيعي. أبحث دائماً عما وراء الصورة المقدمة للسائح، أن أقترب من الناس أكثر من المعالم، وأن أعيش التجربة كما لو كنتُ واحدةً من أهل المكان لا عابرة طريقٍ تلتقط الصور وتمضي. أختار مدناً هادئة، بعيدة عن الزحام، لا تتصدّر الإعلانات السياحية، ولا تستقبل حشود الزائرين. أردت أن أعيش الأيام هناك كما يعيشها أهلها، أن أتحدث مع المرشدين المحليين الذين رافقوني في بعض الرحلات القصيرة، ومع مدير النُزل الذي أقمت فيه، وحتى سائقي التوك توك الذين عرفت وجوههم مع مرور الأيام. أحبّ الحديث مع الناس وسماع قصصهم، لا لأجل الفضول، بل لأن في كلّ حكايةٍ وجهًا آخر للعالم يستحق أن يُروى.

كبرتُ وأنا أرى إفريقيا من خلف شاشاتٍ لم تُنصفها. في الثمانينات، كانت كتب المدرسة والإعلانات التلفزيونية والمجلات تصوّر القارة كأرضٍ للحيوانات البرية والقرى الفقيرة. لاحقاً، جاءت برامج التبرعات لتكرّس الصورة ذاتها: أطفالٌ حفاة في أكواخٍ طينية ومشاهد مجاعةٍ لا تنتهي. لم يقل لنا أحد إن في إفريقيا حياةً نابضة وكرامةً راسخة وفرحاً يُمارس كلّ يوم. وحين وصلتُ إلى تنزانيا أدركت كم كانت تلك الصورة ضيّقة وبعيدة عن الحقيقة. نعم، هناك فقر، كما هو الحال في أيّ بلدٍ آخر، فيما هناك اتساعٌ للحياة ودفءٌ يجعل الغريب يشعر أنه لم يغادر بيته قط.

لم كل هذا الوقت في أفريقيا؟!

أتذكّر أنني تحدّثت عن ذلك في إحدى المقابلات عبر بودكاست ماليزي، وسألني أحدهم باستغراب: “ما الذي يجعلك تقضين شهوراً في تنزانيا؟ ألا تشعرين بالملل هناك؟” ضحكت. كيف يمكن أن أشرح أن في تنزانيا مساحةً أعمق للسكينة مما وجدته في مدنٍ كثيرة؟ يتعامل الناس هنا مع الوقت كما لو أنه صديقٌ قديم، لا يُستعجل ولا يُهمل. تُحضّر القهوة ببطء، وتبدأ الأحاديث وتنتهي دون استعجال، فيما النهار يمضي كما يشاء دون أن يلهث أحدٌ وراءه.

في موشي تحديداً، أدركت أن البطء ليس كسلاً، بل وعيٌ مختلفٌ بالإيقاع. المنازل بسيطة، والشوارع ضيّقة تحفّها الأشجار، والوجوه مطمئنة كأنها تعرف ما لا نعرفه نحن. الأطفال يبتسمون حين تمرّ، والدراجات تمضي بهدوء، والمتاجر الصغيرة تبيع البنّ والبهارات والفواكه الموسمية وكأنها تحفظ نكهة الأرض في أكياسها. حتى السوق المزدحم بدا لي منظمًا على طريقته، تسير فيه الحياة بإيقاعٍ يعرف متى يتوقف ومتى يستأنف.

أقمت في Mkoani Homestay، منزلٍ بسيطٍ تحيطه أشجار الموز. المطبخ مشترك، والأحاديث بين النزلاء تمتد حتى منتصف الليل. هناك فهمت أن البيوت في إفريقيا لا تُقاس بمساحتها ولا بأثاثها، بل بالقلوب التي تسكنها. في الصباح، كنت أفتح النافذة لأرى الجبل في الخلفية، كلمنجارو العظيم، غارقاً في الضباب. لم أكن أحتاج إلى أكثر من ذلك لأبدأ يومي. كان المشهد وحده كافياً ليذكّرني أن الطمأنينة لا تُمنح، بل تُختار.

التسكّع في موشي القديمة

يبدأ كل شيء من موشي القديمة. بعد تأسيسها، اضطرت السلطات الاستعمارية الألمانية إلى إعادة بناء المدينة بالقرب من السكك الحديدية لتسهيل نقل البضائع. ومع ذلك، فقد فشلوا في قمع ازدهار الثقافة المحلية.

تعد مدينة موشي القديمة مهد حضارة تشاجا. سترى هنا العالم السواحيلي في أبهى صوره بأسواقه المزدحمة والباعة المتجولين، والسكان المحليين الذين يدردشون ومقاهي الشواء الأصيلة. إنه مكان يجب زيارته لمحبي الثقافة والتاريخ. فآثار التاريخ التي لا تمحى في كل مكان هنا، ويمتزج الماضي الاستعماري المحافظ مع الحاضر الديناميكي. تسير النساء التنزانيات بملابسهن التقليدية، بينما ترى شباب الراستا بضفائرهم، ورجال الأعمال الذين يرتدون البدلات، والكهنة التبشيريين يرتدون الجلباب، كل ذلك مع الهندسة المعمارية الاستعمارية، والمباني الحديثة والخضرة المورقة في الخلفية. وهذا ما يجعلها مكاناً استثنائياً للمصورين.

ويلعب ارتفاع المدينة دوراً مهماً في مناخها وأجواءها العامة. على هذا الارتفاع المعتدل، تتمتع موشي بمناخ لطيف ومعتدل طوال العام. تميل درجات الحرارة في موشي إلى أن تكون أكثر برودة مقارنة بالمناطق المنخفضة في تنزانيا، مما يعطيك ملاذاً منعشاً من الحرارة المرتبطة عادة بأجزاء أخرى من البلاد. حرصت في كل مرة أتنقل في المدينة أن أصوّر كلمنجارو وكيف تبدو من تلك الزاوية.

زراعة القهوة في موشي تنزانيا

شُرب الكثير من القهوة 

لا يُعد شرب القهوة في موشي مجرّد عادةٍ صباحية، بل طقسٌ يوميّ يشبه الاحتفال. تشتهر المدينة بإنتاج بعضٍ من أفضل أنواع البنّ في إفريقيا، وتُعرف بثقافتها العريقة في زراعته وتحميصه. ومن هنا، لا يكتمل حضورك في موشي ما لم تختبر رحلتها الأشهر: رحلة القهوة في قرية ماتيروني.

في صباحٍ مائلٍ للغيم، غادرت المدينة متجهةً نحو المنحدرات الخضراء لجبل كلمنجارو. الطريق ضيق، يتلوّى بين الحقول والمزارع، وكلّما ارتفعنا زادت برودة الهواء وتكاثف الضباب حول الأشجار. كان السائق يغني بالأغاني السواحيلية القديمة، نغمةٌ بعد أخرى تحوّل الرحلة إلى مشهدٍ من فيلمٍ إفريقيٍ بسيطٍ ومليء بالحياة. تقع قرية ماتيروني على ارتفاع يقارب ١٨٠٠ متراً فوق سطح البحر، حيث تمتزج رائحة البنّ المزروع حديثًا برائحة التربة الرطبة. المناخ هنا معتدل، والتربة خصبة لدرجة تجعل كلّ نبتةٍ تنمو وكأنها تعرف أن هذه الأرض خُلقت للبنّ. في هذه المنطقة يعمل شعب تشاغا، الذين ورثوا مهارة زراعة القهوة وتحميصها منذ أجيالٍ بعيدة.

“القهوة هنا لا تُصنع لتُباع، بل لتُشارك.”

استقبلني مجموعة من الرجال بابتساماتهم الواسعة، ودعوني إلى جولةٍ داخل المزرعة الصغيرة. شرحوا لي كيف تُزرع الحبوب، وكيف تُختار يدوياً في موسم الحصاد. كانوا يغنّون أثناء العمل، بإيقاعٍ متكررٍ بسيطٍ يجعل التعب خفيفاً، كأنّ الغناء هنا هو الطريقة التي يُحاور بها الفلاح أرضه. جلست معهم، أشاركهم العمل والضحك. لم أفهم كلمات أغانيهم، لكنّ الإيقاع وحده كان كافياً لأن أشعر بالانتماء. وعندما بدأ التحميص، تغيّر الهواء. امتزج الدخان برائحة الخشب والتراب المبتلّ، وارتفعت حرارة المكان كأننا نُعيد إشعال الصباح من جديد.

جلسنا بعدها جميعاً في دائرةٍ صغيرة ننتظر الفنجان الأول. لم يكن الأمر مجرد شرب قهوة؛ كان نوعاً من المشاركة الصامتة في شيءٍ أكبر: في وقتٍ، وفي تاريخٍ، وفي حرفةٍ نادرةٍ ما زالت تُمارس باليد والصبر. حين تذوقت الرشفة الأولى، شعرت أنني لا أشرب مشروباً، بل جزءاً من الأرض نفسها. كان الطعم غنياً كأنّه يحمل ذاكرة المطر والضوء والوقت الذي انتظره البنّ ليصبح جاهزاً. التفتُّ إلى أحد المزارعين، وابتسمت. قال لي بالإنجليزية المكسّرة: “القهوة هنا لا تُصنع لتُباع، بل لتُشارك.” تلك الجملة وحدها كانت كفيلة بأن تُبقي طعم القهوة في فمي طويلاً.

في نهاية اليوم، كنت قد تعلّمت كل ما يمكن أن يُقال عن القهوة، لكن الأهم أنني تعلّمت سرّها الحقيقي: الصبر. فكلّ ما يُصنع هنا ببطءٍ، يُصنع بدفءٍ، تمامًا كما يفعلون هم. قبل العودة إلى موشي، جلست على حافة الطريق أحتسي فنجاني الأخير وأتأمل الجبل المكلّل بالغيوم. أدركت أن القهوة ليست مشروباً عادياً في تنزانيا، بل أسلوب حياةٍ كاملٍ يُذكّرك أن كلّ ما يُزرع بالحبّ يُثمر طمأنينة.

الانغماس في الطبيعة شلال ماتيروني

الانغماس في قرية ماتيروني 

تقع قرية ماتيروني على السفوح الخضراء لجبل كلمنجارو، في بقعةٍ يختلط فيها صوت الطيور برائحة البنّ الطازج. بدأنا السير نحو شلال ماتيروني بعد انتهاء جولة القهوة. كان الطريق لا يتجاوز خمسة وأربعين دقيقة، لكنه رحلة قائمة بذاتها. انطلقنا بين مزارع الموز والوديان الصغيرة، حيث تمتد الحقول كصفحاتٍ من خُضرةٍ لا تنتهي. المطر الذي هطل ليلًا جعل الأرض موحلة، فصار كلّ خطوةٍ مغامرة صغيرة. الهواء كان رطباً ومنعشاً، يحمل رائحة التراب والأوراق المبتلّة، فيما تتسلل خيوط الضوء من بين الأشجار العالية كأنها ترشدنا بصبرٍ نحو صوتٍ بعيدٍ يقترب شيئاً فشيئاً.

كان المرشد يسير بخفةٍ أمامنا، يشرح عن النباتات التي تنمو حول الممرّ، كيف تُستخدم لعلاج الحمى أو لتهدئة الحروق، وعن أوراقٍ أخرى تُجفّف لصناعة الشاي. لم يكن حديثه معلومة سياحية، بل حكاية يرويها بفخرٍ عن أرضٍ يعرفها كما يعرف ملامح وجهه. تحدّث عن ثقافة تشاغا القديمة، عن أغانيهم في موسم الحصاد، وعن علاقتهم العميقة بالجبل الذي يعدّونه مصدر الحياة. فيما كنت كل بضع خطوات أتوقف لأتأمل المشهد، طبقاتٍ من الخُضرة، وطيوراً صغيرة تحلّق فوق المياه الجارية.

يقع الشلال في وادٍ تحيطه منحدراتٌ شاهقة بارتفاعٍ يقارب مئتي قدم. تتساقط المياه على شكل ستارةٍ فضيةٍ متلألئة، يتكسر ضوء الشمس عليها فيرسم قوس قزح خافتاً في الأعلى. اقتربت من الحوض الصخري في الأسفل، حيث تتجمع المياه النقية الباردة. خلع بعض الزوار أحذيتهم ووقفوا تحت تدفق الشلال، والضحك يختلط بصوت الماء. جلست على صخرةٍ قريبة أراقب المشهد بصمت. لم تكن هناك حاجةٌ للكلمات. أمام هذا الجمال، كلّ ما يمكنك فعله هو أن تتنفس بعمق، وتترك الطبيعة تشرح لك ما لا يقال.

كيف قضيت أيامي في موشي تنزانيا

لقد حاولوا سرقتي في موشي!

ستجد في موشي وتنزانيا بشكل عام بيئة ترحيبية وودية للمسافرات المنفردات. تشتهر المدينة بكرم ضيافتها وعدد كبير من السياح لأنها بوابة جبل كليمنجارو. ونظراً لأنها لا تزال دولة نامية، يجب توخي الحذر خاصة في الليل وفي المناطق الأقل ازدحاماً. تجنب ارتداء المجوهرات ، وحمل الحد الأدنى من النقود في متناول اليد. كما يُنصح أيضاً بشدة باحترام العادات المحلية وارتداء ملابس محتشمة لتجنب جلب الأنظار بطريقة مزعجة.

على الرغم من أن موشي بشكل عام ببيئة آمنة للسائحين، إلا أن الجرائم الصغيرة كالنشل أو خطف الحقائب في الأماكن المزدحمة ليست غريبة أبداً.

كانت هذه المرة الأولى التي أتعرّض فيها للسرقة في أفريقيا، وكانت صدمة مُفزعة. لا تنتشر هنا مكائن الصرّاف، وأقربها للفندق كان على مسافة ربع ساعة مشياً. خرجت من المبنى الذي يضمّ السوبرماركت ومحلات أخرى، وفي الخارج مكينة لسحب النقود، سرت بعدها إلى مقهى صغير أحبه. كنت أسير في الطريق العام، حاملة كيساً قماشياً به بعض المشتريات، كنت حذرة طوال الوقت. تمرّ الدراجات النارية كثيراً في هذا الشارع، بالإضافة إلى السيارات وعربات توك-توك، ولم ألق بالاً لأي منها. حينما حاذيت مدخل جهة حكومية، اقتربت مني دراجة نارية، عليها شخصين، وظننت أنهما متوجهان إلى الداخل. ولكنهم توقّفا، وانعطفت الدراجة نحوي، فيما الراكب في الخلف يحاول جذب حقيبتي. تنبّهت للأمر، وصرخت عليه شاتمة، ما جعلهما يتركانني.

بقيت واقفة، مصدومة، وخائفة. وما أزعجني أكثر أن الشارع به الكثير من المارة والسائقين، وفي الرصيف المقابل رجال يشاهدون من بُعد، فقط!

ما بعد موشي

في موشي، يتعلم الإنسان نوعاً جديدًا من الهدوء. كنت أستيقظ كل يومٍ على صوت الديكة، وأشرب القهوة التي اشتريتها من ماتيروني. أقرأ قليلاً ثم أخرج للمشي في الشوارع الصغيرة. لم أكن أبحث عن شيء محدد، كنت أتعلم الاكتفاء بالموجود. وكل مساءٍ كنت أعود إلى البيت وأنا أحمل تفاصيل صغيرة؛ حوار قصير مع سائق التوكتوك، رائحة خبزٍ ساخن، ضوء مائل على واجهة متجرٍ قديم.

بدأت أكتب عن إفريقيا كما رأيتها، لا كما تُصوَّر في الإعلام. عن بساطة الناس، وعن كرمهم الذي لا يُعلَن بل يُمارَس في صمت. عن الشعور بأن الأرض هناك ما زالت تحتفظ بدفئها الإنساني. وحين غادرت موشي في الحافلة المتجهة إلى أروشا، كان الجبل يختفي ببطءٍ خلف الغيوم. شعرت أن المدينة تودّعني دون كلمات. فبعض المدن تُغادرها لتعود إليها لاحقاً، وبعضها لا تغادرها أبداً لأنها تبقى فيك. موشي كانت من النوع الثاني.

تركت موشي لزيارة أروشا، وقضاء بعض الوقت فيها، لم يكن فيها شيء يُذكر في الحقيقة. ومنها انطلقت إلى جزيرة زنجبار، والتي سمعت عنها الكثير وأريد أن أعيش فيها لأجل غير مسمى.

أسما قدحAuthor posts

Avatar for أسما قدح

Malaysian Travel Blogger on #TRLT. En-Ar Translator & Content Writer | مدونة ومترجمة ماليزية رحالة في الطرق الأقل سفراً

التعليقات معطلة.