قارب خشبي تقليدي وسط البحر على شاطئ دياني في كينيا

قارب خشبي تقليدي وسط البحر على شاطئ دياني في كينيا


في نهاية عامٍ طويل من التنقّل، وصلت إلى مرحلةٍ شعرت فيها أنني لم أعد أعرف أين أنتمي. كنت أعيش من حقيبتي الصغيرة منذ غادرت دهب في أكتوبر ٢٠٢٢، أنتقل من بلدٍ إلى آخر. عشت في مدينةٍ مزدحمة وتركتها إلى جزيرةٍ هادئة، دون أن أمنح نفسي وقتاً لأتوقف. كل الرحلات كانت جميلة، لكنها كانت تترك في داخلي فراغاً صغيراً لا يُملأ بسهولة. لذلك، اخترت العزلة في دياني، بعد أن وجدتها بصعوبة على خريطة كينيا. ولم أتردد لحظة. كنت أريد أن أختبر الصمت من جديد، أن أكتب بلا استعجال، وأن أستيقظ كل صباحٍ على مشهدٍ لا يطالبني بشيء. كنت أحتاج إلى مكانٍ لا يعرفني فيه أحد، يسمح لي أن أختفي دون أن أبرر غيابي.

وصلت إلى مطار أوكندا بعد رحلةٍ طويلة عبر مومباسا وعبّارة ليكُوني. كانت الرطوبة تلتصق بالجلد مثل غطاءٍ دافئ، والهواء مالحاً كأنه يذكّرك بوجود البحر حتى قبل أن تراه. في الطريق إلى الشاطئ، مررنا بين أشجار جوز الهند، وأكواخٍ صغيرة مطلية بألوانٍ زاهية، وأطفالٍ يركضون حفاةً بين الطرقات. لم يكن هناك شيءٌ فاخر، ومع ذلك كان كل شيءٍ جميلاً بطريقته الصادقة.

وحين توقّفت السيارة أمام النُزل، سمعت هدير البحر للمرة الأولى. كان صوته ثابتاً كنبضٍ قديم، يُشعرك بالأمان فوراً. وضعت حقيبتي في الغرفة وفتحت الستائر. أمامي امتدادٌ من الرمل الأبيض والماء الفيروزيّ، والموجات تتكسّر بخفةٍ على الشاطئ. لم أحتج إلى شيءٍ آخر.

أسما قدح رحالة رقمية في شاطئ دياني، كينيا

الحياة الهادئة على شاطئ دياني

اخترت الإقامة في Diani Backpackers، مكانٍ يجمع المسافرين الدائمين والرحّالة الرقميين، لكني فضّلت غرفةً خاصة تطلّ على الحديقة الخلفية. كنت أريد مساحةً تخصّني، بعيدة عن الضحك الصاخب والموسيقى في المسبح. كانت الغرفة بسيطة: سريرٌ خشبي، مروحةٌ تدور ببطءٍ في السقف، وستائرُ قطنية بيضاء تتحرّك مع الريح. في المساء، كانت الأصوات تختلط: صرصور الليل، همس البحر، وضحكاتٌ بعيدة من البار. تلك الأصوات مجتمعة كانت كافية لتعيد إليّ نوعاً من الطمأنينة التي نسيتها.

في دياني، يبدأ الصباح قبل أن تشرق الشمس. أصوات الطيور، ونسيم البحر، ورائحة الخبز الطازج من المطبخ الصغير في الزاوية. أخرج أحياناً إلى الشاطئ قبل الجميع، أجلس على الرمال وأراقب الضوء وهو يتسلّل ببطءٍ إلى الماء. كانت تلك اللحظات أشبه بجلسة تأملٍ طبيعية. لا موسيقى، لا هواتف، لا صوت سوى الموج. كنت أتنفس بعمق وأشعر أن اليوم بأكمله يمكن أن يُبنى على هذا الصمت. أترك نافذة غرفتي مفتوحة طوال الصباح لأرى البحر وقد غمره الضوء. فيما السماء كأنها صفحةٌ جديدة من يومٍ لا يشبه ما قبله. كنت أعدّ قهوتي ببطء، ثم أجلس إلى الطاولة الخشبية لأكتب. لم يكن هناك شيءٌ مستعجل. كنت أكتب كما أتنفس، ببطءٍ وثقة.

العمل ببطء على الشاطئ

فيما كنت أعمل عن بُعد خلال تلك الفترة، أكتب وأراجع مشاريع مختلفة، لم يكن العمل في دياني يشبه العمل كما أعرفه. كان نوعاً من المشاركة مع الطبيعة. أجلس أحيانآً في مقهى صغير على الشاطئ، طاولاتٌ خشبية واسعة، وإنترنت بالكاد يكفي، لكن البحر كان أسرع من أي شبكة. أعمل لساعاتٍ طويلة دون أن أشعر بالوقت. كل بضع دقائق أرفع رأسي من الحاسوب لأرى الأفق الممتدّ أمامي، حيث يلتقي البحر بالسماء دون فاصل.

في منتصف اليوم، أطفئ الجهاز وأغادر إلى الشاطئ. أخلع حذائي وأسير على الرمل الحارّ، والماء يلامس أطراف قدميّ. كنت أتعلم أن البطء ليس خطأً على الإطلاق، بل شكلاً من أشكال الوعي. أن تكون حاضراً بالكامل في ما تفعله، لا نصفَ منك هنا والنصفَ الآخر في مكانٍ آخر.

كيف عشت في دياني، كينيا كرحالة رقمية

الحياة هنا تُقاس بالبطء

في عطلات نهاية الأسبوع، كنت أستأجر دراجةً هوائية وأتنقّل بها على طول الساحل. يملؤ الهواء المالح شعري، والناس يلوّحون من المتاجر الصغيرة، وأشجار النخيل تصطفّ كأنها تحرس الطريق. كنت أشعر أني جزءٌ من المكان، لا زائرة تمرّ به.

وفي كل صباحٍ، كان السكان المحليون يحيّونني بابتسامةٍ وكلمةٍ واحدة: “Jambo!”. أكتفي أحياناً بابتسامةٍ، ونتبادل أحياناً بضع كلماتٍ بالإنجليزية البسيطة. كان لطفهم خفيفاً، لا يقترب أكثر مما ينبغي، لكنه يذكّرك أنك لست وحدك. هناك شيءٌ في المدن الساحلية يجعلك أكثر صدقاً مع نفسك. ربما لأنها تذكّرك بالحدود التي لا يمكن تجاوزها. البحر أمامك دائماً، لكنك لا تستطيع امتلاكه، فقط تقترب منه ثم تبتعد. في دياني تعلّمت أن الراحة لا تعني الترف، وأن البساطة ليست فقراً، بل وفرةٌ من نوعٍ آخر.

العزلة على المحيط الهندي

قضيت الأيام الأولى في الكتابة المستمرة. لم أكن أكتب عن الرحلات أو المدن، بل عن نفسي: عن التعب الذي تراكم، عن الوحدة التي تأتي رغم الزحام، عن الحنين لنسخةٍ أبسط منّي. كنت أكتب لأفهم ما الذي يدفعني دوماً للرحيل، وما الذي يجعلني أجد راحتي في الأماكن البعيدة. في دياني، لم تكن العزلة ثقيلة. كانت عميقة بما يكفي لتعيدك إلى جوهرك. كنت أقرأ كثيراً، أستمع إلى الموسيقى الكلاسيكية من هاتفي، وأدوّن كل ما يخطر ببالي. لم يكن هناك إلهام خارجي كبير، كان الجمال في التفاصيل الصغيرة: الضوء المنعكس على كوب الماء، أصوات الموج ليلًا، أو ظلّ شجرةٍ يتحرّك ببطءٍ على الحائط الأبيض.

وفي المساء، كنت أجلس في الساحة المفتوحة للنُزل، حيث يجتمع المسافرون حول أضواءٍ صغيرة. بعضهم يضحك، وبعضهم يعزف، وآخرون يراقبون الصمت مثلي. وحين يهدأ المكان، أذهب إلى الشاطئ. أمدّ قدمي على الرمال، أستمع إلى الموج وهو يقترب ثم يبتعد.

في إحدى الليالي، غطست في البحر حتى منتصف جسدي. كان الماء دافئاً كأنني أسبح في ضوءٍ سائل. حين خرجت، نظرت إلى الأفق وأدركت كم كانت الرحلات السابقة سريعة، وكم كنت أحتاج أن أصل إلى هذا البطء لأسمع نفسي بوضوح. لا يتحدث البحر في دياني بصوتٍ عالٍ، بل يهمس. يذكّرك أن الحركة لا تعني الحياة دائمًا، وأن التوقّف ليس خسارة، بل أحياناً بدايةُ شفاء.

المواصلات والتنقل في دياني الساحلية

عند توديع دياني

حين حان وقت المغادرة، شعرت أن حقيبتي أثقل رغم أنني لم أضف إليها شيئاً. كانت ممتلئة بما لا يُوزن: الراحة، السكينة، والامتنان. قبل أن أغادر، مرّ صاحب النُزل ليسألني إن كنت سأعود العام القادم. ابتسمت وقلت له: “ربما. لكنني أظن أن جزءاً مني سيبقى هنا على أي حال.”

لا تنتهي الرحلات حين نغادر المكان، بل حين نكفّ عن التفكير فيه. ودياني لم تغادرني بعد. أحياناً، حين أعمل من مكانٍ مزدحم، أستعيد في ذهني صوت الموج، أو ملمس الرمل، أو النسيم الذي كان يدخل غرفتي كل مساء. أعود إلى تلك اللحظة البسيطة التي فهمت فيها أنني لا أحتاج إلى وجهاتٍ كثيرة لأشعر بالامتلاء، بل إلى حياةٍ تُعاش ببطءٍ وصدق. كانت دياني أكثر من شاطئٍ جميل. كانت مرآةً صافية أرى فيها نفسي كما أنا؛ بلا زينة، بلا لهاث، فقط أنا والبحر، وإيقاعٌ واحدٌ للحياة… إيقاع الهدوء.

أسما قدحAuthor posts

Avatar for أسما قدح

Malaysian Travel Blogger on #TRLT. En-Ar Translator & Content Writer | مدونة ومترجمة ماليزية رحالة في الطرق الأقل سفراً

التعليقات معطلة.