عشرين دقيقة يوغا

عشرين دقيقة يوغا


كان الأسبوعين الأخيرين بعد عودتي من جزيرة بالي مزدحمان بشكل أكثر من المعتاد. خروج يومي بعد العمل مع وجود الصغيرين، وأشياء أخرى عليّ القيام بها أو تسليمها. لاحظت أنّ هناك خللاً، هذا الجري على رتم لم أعتده، حتى لم يعد هناك مجال للمشي اليومي بما أنّ علي التواجد في مكان ما بعد العمل مباشرة. نوم مضطرب وأكل غير متوازن، حتى أنني لم أستطع التركيز على دروس اللغة الإسبانية التي بدأتها مؤخراً.

بدأت قصّتي مع اليوغا ببساطة. لم أكن أعتقد أن تمريناً مدته قصيرة يمكن أن يبدّل مزاجي أو يخفّف التوتّر الذي يتسلّل إليّ كل صباح. كنت أستيقظ متعبة قبل أن يبدأ اليوم، حتى اقترح مجاهد أن نبدأ جلسة يوغا صغيرة. عشرون دقيقة فقط، قبل الإفطار، دون أي ضغوط أو أهداف. جلسنا على السجادة في الصالة، نمدّ أذرعنا نحو السماء، نتنفس بعمق، ونترك كل شيء خلفنا. لم أكن أبحث عن المرونة أو اللياقة، بل عن بعض الصمت الذي كنت أفتقده وسط الزحام.

بعد أسابيع قليلة، بدأت ألاحظ الفرق. عشرون دقيقة يوغا كل صباح كانت كفيلة بتصفية ذهني وإعادة ترتيب طاقتي. صارت الحركة جزءًا من روتيني اليومي مثل القهوة، لكن أعمق منها بكثير. مجاهد أيضًا تغيّر؛ صار أكثر هدوءًا، وأقلّ استعجالًا. في الأيام التي نتخطى فيها الجلسة الصباحية، نشعر معاً بأن شيئاً ما ناقص في اليوم.

يوغا مع مجاهد

أحببت فكرة مشاركة هذه اللحظات مع مجاهد. نمارس أحياناً وضعيات بسيطة: تمدّد الظهر، دوران الرقبة، وتمارين التنفّس الطويل. نضحك كثيراً عندما يحاول تقليدي، أو حين يسبقني إلى وضعية جديدة. أو يعلق قائلاً: “ماما، أنفاسك قصيرة اليوم”، فيذكّرني أن اليوغا ليست مجرّد حركة، بل وعي كامل بالجسد والنَفَس. لا يهمّ أن تكون الوضعيات مثالية، يكفي أن نشعر بأننا بدأنا يومنا بانسجامٍ مع أنفسنا.

لماذا عشرون دقيقة يوغا؟

لأنها تترك مساحة حقيقية للشعور بالتغيّر. الخمس دقائق كانت بداية جميلة، لكنها لم تكن كافية لإبطاء سرعة العقل. عشرون دقيقة فقط تمنح الجسد وقته ليسترخي، والعقل فرصته ليهدأ. في الدقائق الأخيرة، حين نغلق أعيننا في وضعية “ساباسانا”، أشعر أن كل ما يثقل رأسي يذوب شيئًا فشيئًا. هذا الهدوء لا يشبه النوم ولا الراحة، بل يشبه صفاء الماء بعد المطر.

تبدأ يومك بإحساسٍ مختلف. يصبح الجسد أخف، والعقل أكثر حضورًا. في الصباحات التي أمارس فيها اليوغا، أجد نفسي أكثر لطفًا في التعامل مع التفاصيل الصغيرة: مكالمة عمل مزعجة، ازدحام الشوارع، أو حتى تأخير غير متوقّع. كل شيء يبدو محتملاً أكثر. يوماً بعد يوم، صارت هذه العشرون دقيقة مساحة مقدّسة لا أتنازل عنها، مهما كان اليوم مزدحماً. وفي المساء، أحياناً أكرّر الجلسة نفسها لكن بإيقاعٍ أبطأ، فقط عشر دقائق تنفس وتمدد قبل النوم. جسدي يهدأ بسرعة، ونومي يصبح أعمق. لم أعد أمارس اليوغا لأصبح أفضل، بل لأتذكّر أنني بخير كما أنا، في هذه اللحظة، بهذا النفس الذي يدخل ويخرج بهدوء.

يوقا (2)

ماذا يحدث حينما نخصص يوغا صباحية؟

يقوي الجهاز الهضمي، ينشط الجهاز العصبي. ينشط القلب وينظم ضغط الدم وخفقان القلب. يعزز الرئتين صحية والتنفس. يقوي عضلات الجسم العلوية والسفلية بما في ذلك البطن والظهر. يقلل من الدهون الزائدة في الجسم. يحسّن وظائف الكلى. يشجّع على التركيز لعمل الوضعيات “poses” بالشكل الصحيح، ويساعد على تنشيط العقل. كررنا الأمر في الأيام التالية؛ وكنت أضيف وضعية “pose” جديدة كل يوم، وزاد حماسه فيما كان يشتكي أنه لا يستطيع أن يلمس الأرض بيديه مثلاً كما أفعل. شرحت له كيف أن الأمر عادي الآن لأنها المرات الأولى له، فيما أمارِسه أنا منذ 3 سنين تقريباً. كان التركيز الأكبر الآن هو التنفّس، أردته أن يبدأ يومه بنفسٍ هادئ قبل أن تنشغل عيناه بالشاشة أمامه.

ما حدث أننا حين نتكلّم عن التمارين في أي وقت من اليوم، تشعر دانة بالغيرة لأنها تكون نائمة ذلك الوقت، وكيف أنها تريد أن تجرّب ما يقوم به مجاهد كل صباح. لكنها ليست بكائن صباحي أبداً عكسنا نحن الإثنين. وبالطبع؛ كان هناك حلّ، يوغا ما قبل النوم!

ماذا يحدث حينما نخصص يوغا مسائية؟

أصبح روتيناً لنا نحن الاثنين بينما مجاهد يقوم بتصوير ما نقوم به وتعابير وجهها حين أقول لها “تنفّسي بهدوء”. دانة كانت أكثر مرونة منه، لكنها تتنفّس بشكل أسرع، ورتمٍ قصير، ولم تفهم بعد كيف تنتفّس حتى عمق البطن. وتضحك بصوتٍ عالٍ حين أقول لها أغمضي عينيك وتنفّسي. وكما فعلت مع مجاهد، كنت أضيف كل ليلة pose جديداً، وفترة أطول للتنفس. زيادة قوة العضلات ومرونتها. يساعد على موازنة الأيض (الهضم)، تحسين الدورة الدموية. الحماية من الإصابات. تحسين الأداء الرياضي. تحسين التنفس والطاقة. الحد من التوتر والمساعدة على الاسترخاء والنوم. ولأنها عشر دقائق لم يكن الأمر عسيراً أبداً، وأصبح هناك شيء جديد يجمعنا نحن الثلاثة.

أسما قدحAuthor posts

Avatar for أسما قدح

Malaysian Travel Blogger on #TRLT. En-Ar Translator & Content Writer | مدونة ومترجمة ماليزية رحالة في الطرق الأقل سفراً

التعليقات معطلة.