بدأت كتابة هذه التدوينة في أول أسبوع من ٢٠٢٦، من مقهى صغير في المبنى الذي أقيم به في كوالالمبور منذ يوليو ٢٠٢٥. لا تزال هذه المدينة مأوايَ كلما غادرت قارات العالم متعبة، ولكنها تتلاعب بجيوبي الأنفية منذ أسبوعين الآن. شيء ما غير متوافق تماماً معنا. كنت أظن السبب الرئيسي هو جفاف الهواء، بعد عامين من تنفّس هواء موريشوس، المعبأ ملحاً، والنظيف تماماً. ولكنني من المفترض قد تأقلمت بعد مرور ستة أشهر من العودة والاستقرار هنا. المفترض، وكأن أجسادنا تسير وِفق جدول زمني.
٢٠٢٥: سنة تفريغ الذاكرة
نشرت الأسبوع الماضي تدوينة قصيرة على Subsctack، مشابهة لهذه، ولكنها تتمحور بشكل خاص على ما نشرته هناك. أردت توديع العام السابق هناك أيضاً، كما فعلت على إنستغرام. وفي كل منصّة كنت أفتتح المنشور بجملة “يا لها من رحلةٍ مثيرة!“. تذكيراً لي، بأن سنة ٢٠٢٥ كانت كذلك فعلياً، على كل الأصعدة. لقد حمل هذا العام توازناً غريباً. مرّت بعض الأيام هادئة، خفيفةً وبسيطة، وأخرى غمرتني بالثقل فجأة. وغالباً ما اجتمعت المشاعر المتضاربة في اليوم نفسه، فتوقفتُ عن محاولة حلّ هذا التناقض.
غادرتُ الجزيرة في ١١ يوليو ٢٠٢٥، بعد عامين في موريشيوس، إثر حادثةٍ مأساوية. كان الرحيل هادئاً وبسيطاً، ودّعتُ أقرب أصدقائي هناك، والذين كانوا بمثابة مجتمعي الصغير، الذين سهّلوا عليّ الحياة في موريشيوس. بعد فترة وجيزة من المغادرة، دعتني أدريان إلى بودكاستها للحديث عن الحياة في موريشوس. تحدثنا عن مكانٍ بدأ يفقد جاذبيته بالنسبة لي. وبقيت تلك المحادثة عالقةً في ذهني لفترة أطول مما توقعت، وفتحت لي باباً لم أفكّر في دخوله من قبل. حينها، نشأت Postcard in Transit.
هذا العام، قضيتُ عيد الميلاد بهدوء، مع أنني لا أحتفل به على أية حال. توجّهت إلى الساحل الشرقي لماليزيا، إلى منتجعٍ فسيحٍ يضمّ فيللاً خاصة مع مسبح، محاطة بأشجارٍ مزهرة وأصوات الطبيعة. كان هذا ما أحتاجه تماماً، بعد قضاء العديد من أعياد الميلاد في بلدانٍ مختلفة مع شركاء وأصدقاء. استراحةٌ هادئة للغاية، ما كنتُ أحتاجه لإنهاء هذا العام الحافل بالأحداث.

يناير: العودة إلى جنوب أفريقيا
تُذكّرني بعض المدن في جنوب أفريقيا كثيراً بماليزيا، فكنت أعود إليها مراراً، كلما اشتهيت طبق ستيك لذيذ. أو رغبة في عيش أسبوع سهل وجيد بدون كسل الموريشيسيين. وصلت كيب تاون في آخر أسبوع من يناير ٢٠٢٥، الفترة المثالية لزيارة المدينة صيفاً، بعد احتفالات رأس السنة. وقررت منذ أول يوم أنني سأسير فيها إلى كل مكان، وسأزور كل المناطق السياحية التي أجّلتها خلال زياراتي السابقة في العامين الماضيين، فمَن يعلم، قد يكون هذا العام الأخير لي في أفريقيا تماماً.
لا تتغير كيب تاون سريعاً بشكل مفجع، ولهذا تذكّرني بماليزيا. على الرغم من ذلك، تخبّئ في جنباتها أسراراً تنكشف على خطوات ورتم متناسق. تمتدّ زرقة السماء هنا على مدّ النظر، فيما الصخور الكبيرة تبدو وكأنها تُمسك بالشاطئ حتى لا يقفز فجأة كلما تحولت الأمواج من هادئة إلى عاتية في غضون دقائق. ولأن الغروب هنا مختلف تماماً، فلم يمكنني تفويت رحلات القارب عند الغروب، فيما الناس يستمتعون بالمشهد بصمت، والمدينة تتلاشى تدريجياً كلما أبحرنا في المحيط.
تذكر حينما قلت “سأزور المناطق السياحية”؟ لما أكن أمزح! بداية من شاطئ البطريق، ثم الانزلاق على أطول مسار انزلاقي (Zipline) في العالم، وحتى رأس الرجاء الصالح. ولكنني أيضاً لم أنسَ شغفي بالتحف الأثرية والخشبيات، أو حتى السيراميك، فكانت حقيبتي مثقلة بكل ما اشتريته هناك.

فبراير: أميرة في موريشيوس
استأنفت روتيني الصباحي، المشي على الشاطئ، بعد العودة من كيب تاون. أقطع فيها خمس كيلومترات يومياً، حاملة في يدي طعاماً للكلاب هناك، ألاعبها وأتأكد من أنها بصحة جيدة، بينما تتلذذ ببعض الطعام النظيف. أسميت بعضاً منها بناء على أشكالهم؛ زورو، باولو، وحتى بيلا. لم أنقطع يوماً عن تلك العادة إلا حينما أكون متعبة للغاية، وأذكّر نفسي أنني لو لم أذهب، فلن تجد الكلاب ما تأكله طوال اليوم.
بعد منتصف الشهر، سألتني أميرة، ابنة أختي إن كانت الأجواء مناسبة لزيارة الجزيرة لأسبوع، فأجبتها طبعاً. كانت هذه السيدة الثلاثينية بنتاً صغيرة، أرعاها حينما تخرج أمها عصراً. قضت معي ثلاث سنوات هي وأخوتها، يومياً. والآن، تزورني مع زوجها لترى ما الذي أتحدث عنه في هذه الجزيرة الاستوائية. لعبنا سوياً خلال ذلك الأسبوع، وزرنا كل ما توفّره هذه الجزيرة الصغيرة من منشآت سياحية محدودة.
للأسف، ارتبط فبراير من كل عام في موريشيوس بموسم بالأعاصير والفيضانات، خاصة في شرق جنوب الجزيرة. هذه المرة، كان إعصار Garance هو المسيطر على موريشوس، على الرغم من أن كل التنبيهات عنه لم تظهر إلا قبل يومين من الإعصار. ألغى هذا الإعصار الكثير من الترتيبات لرحلتهم، حتى وأننا في الشمال ننعم بالشمس، ولم تظللنا السحب إلا قليلاً. كان الإعصار هذه المرة أقل ضرراً، عكس ما حدث في ٢٠٢٤ مع إعصار بلال.

مارس: ٩ رحلات جوية في شهر!
صادف مارس ٢٠٢٥ الكثير من المناسبات، تزامناً مع “جمعات” توديع إحدى صديقاتنا الماليزيات في موريشوس. التقينا في الخامس للغداء، ثم الثامن في بيتي، ثم الثاني عشر على الشاطئ. وحتى أننا -مصادفة- كنا في نفس الرحلة من موريشوس إلى ماليزيا.
هذه الرحلة الوداعية لهم، ورحلة عمل بالنسبة لي، مع بعض الوقت مع أولادي. وأعتقد أنني أخيراً وصلت للمرحلة التي لا يتحمّل فيها جسدي الكثير من رحلات الطيران، على عكس السنوات التي قضيتها في مصر. عد معي: موريشوس – كوالالمبور، وقضاء ٣ ليالي فيها مع ملاكا. ثم مغادرة ماليزيا إلى سيام ريب في كمبوديا، ومنها إلى بانكوك في تايلاند. عدت بعدها إلى كوالالمبور لليلتين، قضيتها بين التسوق السريع والاستعداد لرحلة ٨ أيام في فيتنام مع دانة. تنقّلنا خلالها في ٤ مدن: هوي آن، دا نانغ، نين بينه، ثم هانوي. وغادرت فيتنام إلى كوالالمبور، لأقضي فيها ١٢ ساعة، ثم أغادرها مرة أخرى إلى كوتا كينابالو مع مجاهد لليلتين. ثم العودة منها إلى كوالالمبور، لليلتين أخريين، ثم العودة إلى بيتي في موريشيوس.
لا أعرف كيف تحمّل جسدي كل ذلك، ٩ رحلات جوية، ورحلة بالحافلة الليلية في فيتنام بناء على طلب دانة. وبين كل هذا وذاك، الكثير من المشي، وزيارة المناطق السياحية، ثم اللعب مع دانة، وتغير الأجواء والمناخات. وكأن جسدي كان في نعيم، ليزيد عليه تسمم غذائي من مطعم عالمي في ملاكا!
ولأول مرة، وصلت موريشيوس في الثامن من أبريل، بحثاً عن السكينة فيها.

أبريل: التنفس بعمق، حرفياً..
قضيت أياماً من الأسبوع الأول في أبريل في فيتنام مع دانة، نهاية رحلتنا هناك. ثم ليلتين مع مجاهد في كوتا كينابالو، ولا صباح، ماليزيا. كان الأمر مرهقاً للغاية. لم أتنقّل باستمرار كما فعلت هذه المرة، خاصة بعد استراحة طويلة في موريشوس من السفر المتواصل. ولذلك، آثرت التروي بعد كل ذلك العناء والسفر المتواصل في الأسابيع الأربعة السابقة. يعني هذا الكثير من جلسات اليوغا، والاستمتاع بالشاطئ صباحاً أو مساءً، والغوص، ولقاء مجموعة صغيرة من الأصدقاء المقربين.
ثم كانت عليّ تلبية دعوة للمشي والتعرّف على منطقة في جنوب موريشوس، من سيدة لا أعرفها كثيراً، ولكنها كانت واجبات اجتماعية عليّ تلبيتها. المشكلة أنهم وعدوني بجولة هادئة تظللها الطبيعة، لأجد نفسي أمشي بين البيوت، يعرّفونني على المحلات والمدارس ومكتب البريد! لينتهي بنا الأمر على إحدى الشواطئ التي لا يمكننا السباحة فيها، والتي زرتها مسبقاً مع ابن أختي. تعرف الآن لم الموريشسيين غرباء؟

مايو: قلبي عرف الحب أخيراً في موريشوس
استقبلت في أول أسبوع ضيوفاً آخرين، كانوا كباراً في السن، أعني في نهاية السبعينات من عمرهم. وكان عليّ -طبعاً- قضاء معظم اليوم معهم، ومراعاتهم، والتأكد من أنهم مرتاحين للغاية. لا أحب هذا النوع من الضيوف الذين يعتمدون على مضيفيهم في شيء، حتى أنهم ضاعوا خلال عودتهم من الشاطئ للبيت، مع أنه لا يبعد عنا سوى ١٠ دقائق مشياً!
دعني أعود بك إلى آخر أسبوع من أبريل. وجدت أحد مربي الكلاب، معلناً عن كلب لبادور، بني، أنثى. كنت أبحث عن ذكر، ولكن الأنثى تبدو مريحة للقلب. زرته مرة، ووقعت في حبها. أخبرتهم فيما بعد أن يُبقوها لي لأسبوعين، حتى يغادر ضيوفي في مايو. ولكنني لم أستطع الانتظار حتى يغادروا، فآثرت استلامها في الثامن من مايو. منذ ذلك اليوم؛ أصبحت “سينا” -تيمّناً بصحراء سيناء ودهب- محور حياتي. لم أكن أغادر البيت بدونها إلا نادراً، فهي معي على الشاطئ، أو نسير معاً إلى المخبز. وفي البيت، تمشي خلفي أينما ذهبت، وكأنها ظلّي.
جاءت سينا إلى قلبي، لم تكن مجرد جرو، بل كانت درساً هادئاً في الحب، ورقّقت قلبي. فتمحورت حياتي حول مخالبها الرملية على الشاطئ إلى الإيقاع الذي أضفته على أيامي. لقد تحوّلت نزهاتنا العادية في الحي إلى روتين استثنائي. وفي آخر أسبوعين لنا معاً، عندما تباطأت الحياة إلى راحة في الفراش وسكون، كان جسدها الدافئ ملاصقاً لجسدي، وكانت أحضاننا تحمل معنىً أعمق من أي رحلة. ذكّرتني بأن الوطن ليس دائماً مكاناً، فأحيانًا يكون نبض القلب الملتف بجانب قلبك.
في مايو ٢٠٢٥ أيضاً، جرّبت أشهر وجبة شوارع في موريشوس، دال-بوري، لأول مرة. بعد أن قضيت عامين فيها! أعرف، غالباً ما أجرب أكلات الشوارع في أي بلاد أزور، لكنني تذوقت وجبات أخرى هنا، ولم تكن المفضلة لدي. ستجدها في كل مكان، إنها فطائر من الدقيق، ممسوح بها القليل من الفلفل (حسب الطلب)، ومحشية بخلطة عجيبة قوامها الحمص. وبشكل ما، أعتقد أن معدتي لا تتوافق معها!

يوينو: الحادث..
قضيت عمري كامله أتفادى حدوث أخطاء تؤثر على صحتي، كطبيعة أي إنسانٍ تقابله في حياتك. ولم يمنعني ذلك من وضع نفسي في مواقف قد تكون خطرة في ذهن الآخرين، لكنها آمنة بالنسبة لي تماماً. كالمشي في شوارع جوهانسبيرغ، أو عبور الحدود بين دول شرق أفريقيا براً، أو الغوص ٤٥ متراً في كرواتيا، فيما الماء بارد حتى ١٦ درجة مؤية. ولكن، ما حدث جعلني أعيد حساباتي كاملة في السنتين التي قضيتها في موريشوس.
لم تكن الحياة سيئة في الجزيرة، اعتدت على نمط الحياة الرتيبة والهادئة فيها. أصحو على أصوات العصافير التي تكون قضت ليلتها في حديقة البيت. ثم أمشي إلى الشاطئ، أو آخذ “سينا” معي للمشي صباحاً. ثم، أمامي جدول متكرر، ليوم مفتوح. غوص هنا، أو جلسة يوغا، ثم الكتابة طوال النهار، وربما غداء مع الصديقات. وفي المساء، آخذ سينا معي للشاطئ مرة أخرى نراقب الغروب. ثم أعدّ العشاء، قبل أن أتنقل بين قائمة من المسلسلات أو الأفلام.
لكن تلك الحياة كانت تنهش كثيراً في صحتي النفسية، وظهرت آثارها كثيراً على جسدي. فكان عليّ أن أغادر.

يوليو: مغادرة موريشوس
كنت أظن أنني minimalist منذ ٢٠١٦، وحتى حينما تخلّصت من ٨٠٪ من ممتلكاتي الشخصية في ٢٠١٨. ولكنني، بعد سنتين من الاستقرار في جزيرة استوائية، جمعتُ قدراً كبيراً من التحف وأثريات لكل بلد زرته. ولكن، إن كنت تعرفني جيداً، فلم يستغرق التخلص مما لم أستطع حمله معي خلال أسبوعين. بِعت عدداً من الأثريات، لم تكن نادرة أبداً، ويمكنني شراء شبيه لها عندما أزور تلك البلاد مرة أخرى.
والآن، عادت ممتلكاتي الشخصية مرة أخرى، حقيبتين بسعة ٧٥ لتراً لكل واحدة منها، أحدها لأدوات الغوص، والثانية لكل ما أحتاجه للحياة على سفر. ثم حقيبة carry-on لملابسي، وحقيبة ظهر لإلكترونياتي المتعددة. وحتى مع كل هذا العدد المحدود من الحقائب، لازلت أشعر أنني أملك الكثير. وكان من السهل جداً بهذا الشكل مغادرة موريشوس إلى ماليزيا في الحادي عشرة من يوليو ٢٠٢٥. وانتهت بذلك ٤ سنوات من العيش في أفريقيا! حتى وقتٍ آخر..
توقفت في طريقي إلى ماليزيا في مكة، فاجأت عائلتي بزيارة قصيرة لم تتعد ٣ ليالي، والتي صادفت حفل زفاف فواز، ابن أختي. كبر أولاد أخوتي، وباتوا رجالاً وسيدات ناجحات فاضلات، وكبرتُ وأخواتي وأخوتي معهم..

أغسطس: الرابعة والأربعين، في كوالالمبور
لا آبه بالكثير من الأعياد الدينية أو الاجتماعية، ولكنني أولي اهتماماً كبيراً لعيد ميلادي والصغيرين. وفي السنتين التي قضيتها في موريشيوس كان عيد ميلادي سيئاً لحدّ ما. قضيت السنة الأولى في الغوص إلى عُمق ٤٢ متراً، وكانت تجربة جيدة في الحقيقة، والتي صادفت الغوص رقم ١٠٠ لي أيضاً! والسنة الثانية كنت فيها مريضة للغاية، مع نزلة برد متعبة، وقضيتها في قارب مزدحم بالناس.
ولكنني هذه المرة كنت مُحاطة بأولادي، ونسرين وإمانويل، كانوا برداً وسلاماً على قلبي. لم يكن هذا العام مجرد مرور عام آخر، بل كان بمثابة ولادة جديدة. تعلّمت أن التقدم في السن لا يعني التباطؤ، بل يعني التخلص مما لم يعد يناسبني؛ الضجيج، والأعباء العاطفية، والتوقعات، وثقل التساؤلات.
غصت في أعماق المحيطات، حيث علمني الصمت كيف أصغي من جديد. تمسكت بصداقات جعلت الجزيرة تتألق أكثر، حتى عندما كانت لحظات الوداع أبكر مما أردت. وجدت السعادة في حياة بلا خطط؛ فقط يسألونني “هل ترغبين في التجديف لاحقًا؟” ووجبات الغداء، والهدوء في الأيام الماطرة، والسكينة على بساط اليوغا، وصوت هادئ يذكرني بالعودة إلى نفسي عندما أضيع. حملت معي فرحة رؤية عائلتي من جديد، وحمل ليلى الصغيرة لأول مرة، ومعرفة أن الجذور يمكن أن تمتد عبر القارات. مؤمنة أنه أينما ذهبت، فإن الاحتفاء بالعائلة هو كل ما أحتاجه. قلت نعم لشغف جديد؛ تعلّمت حمل الخشب والأدوات بين يدي، وتجربة الطبخ، والبستنة، وإعادة تشكيل الأرض من حولي.
كان هذا هو العام الذي غادرت فيه الجزيرة الحزينة، لكنني حملت دروسها معي. العام الذي اخترت فيه أن أتوقف للحظة كافية لأشعر وكأنني ولدت من جديد. لم يكن بلوغي الرابعة والأربعين مجرد عمر، بل كان عودة إلى ذاتي.
أوه، لحظة!
بدأت في أغسطس أيضاً كتابة قصص قصيرة لا تتعدى ١٠٠٠ كلمة، أسبوعياً. أنشرها على موقع سبستاك، تصلك نشرة بريدية كل أربعاء، تحت إسم Postcard in Transit. اشترك هنا إن أردت!
كما أسست مجتمع الرحالة الرقميين العرب، ونقلت كل التدوينات التي كتبتها عن الترحال الرقمي إليها. مازلت أعمل على الموقع، أحدّث التدوينات، وأعيد كتابتها بما يناسب القارئ العربي لإثراء تجربته كرحالة رقمي. انضمّ إلينا هنا!

سبتمبر، أكتوبر، نوفمبر: كوالالمبور أجمل مما ظننت!
سبتمبر كان بداية السُبحة لزيارة الأصدقاء، أزلين، الماليزية التي التقيتها في موريشوس، والتي عاشت فيها أكثر من ٢٠ عاماً. ثم ناتالي، والتي التقت زوجها الموريشيسي في أسترالي خلال فترة دراستهما هناك، ثم تزوجا في ماليزيا وعاشا معاً في أوروبا وأفريقيا.
ثم احتفلت نهاية أكتوبر بعيد ميلاد مجاهد، تخيل، ذلك الصبي الصغير، أصبح عمره الآن ٢١ عاماً. أخبرته ذلك اليوم: أنت اليوم كبير، بالغ عاقل. وقانونياً، يمكنك شراء سيارة وبيت ويصبح لديك ممتلكات وأصول دون أن تحتاج إلى توقيع وكفالة مني. وأعتقد أنه أُعجِب بتلك الفكرة.
وبدءاً من نوفمبر، انتقل أخي الأصغر إلى كوالالمبور، وأصبحت أقضي معظم الوقت مع ابنته، ليلى. لاتزال بعمر سنة ونصف الآن، تتعلم كل شيء سريعاً، وتُحاكي الكثير من تصرفاتنا. أحب هذا العمر من الأطفال، لم يتعلموا الكلام بعد، ولايزالون بريئين.
أعادتني كوالالمبور إلى الهدوء والراحة، ومن العجيب أن أقول ذلك الآن بعد سنتين من العيش في جزيرة استوائية في أفريقيا. الهدوء هنا مختلف، يمكنني تناول الطعام أي وقت أريد، وحينما أطلبه سيصلني تماماً كما طلبته، وبالطعم الذي أعرفه. ليس هناك أي تخمين في الطعم أو الجودة. ثم، ركّز على نقطة: ليس عليّ أن أطبخ حتى أتناول طعاماً جيداً! فكما تعرف، علاقتي بالمطبخ سيئة، ولا أستمتع بعملية الطبخ أو التفكير في مقادير الطعام. ثم، إنني أفهم الناس هنا، ويفهمونني، ليس عليّ شرح أي شيء، أو تبسيط أي معلومة.

ديسمبر: في ربوع بلادي، والكثير من الأصدقاء
لم أغادر كوالالمبور منذ وصلتها، بقيت فيها، “اختياراً” منذ يوليو ٢٠٢٥، حتى محمد وأصدقائي الآخرين كانوا يتعجّبون من ذلك. ولم يصبني اكتئاب العودة إلى كوالالمبور، كما حدث خلال جائحة كوفيد-١٩. لم يمنعني ذلك من الرحلات السريعة حول كوالالمبور، فقضيت نهاراً في قرية Janda Baik، على أعتاب جنتنغ هايلاند التي تعرفونها. ثم ليلتين هادئتين للغاية في منتجع يبعد ساعتين ونصف من كوالالمبور، حينما استأجرت فيلا بمسبح خاص. لم أرد أي احتفال مزعج هذا العام بأي شيء، ولا خطط كثيرة أو أصوات عالية كما حدث في الماضي. وأعتقد أنني بدأت أبحث عن السكينة، بدلاً عن أي أدرينالين في حياتي.
ماذا أقول لك عن خاتمة ٢٠٢٥. ليس الهدف هنا أن أتباكى على الماضي أو أفكّر فيه كثيراً، على قدر التعلّم من أخطائي فيه. وما أكثرها! كنت أظن أن ٢٠٢٤ كان عاماً حافلاً بالأحداث، والصدمات، فقد تخلله الكثير من البكاء، وكنت عالقة فعلياً في عنق الزجاجة. لكنني هذا العام، خرجت وتجاوزت عنق الزجاجة. لم تكن تلك العملية سهلة أبداً، ولم تأتِني على طبق من فضة. أمسكت بزمامها بنفسي، ولم أستطع أن أسترخي تماماً إلا حينما حطّت الطائرة في كوالالمبور.
أضحك الآن على كل الخطط التي رسمتها لعام ٢٠٢٥. كان من المفترض أن ألتزم شهراً كاملاً للتطوّع في موريشوس لحماية الشعاب المرجانية. ثم، السفر مجدداً في نهاية أكتوبر (كعادتي السنوية)، من المفترض أن أعود فيها إلى ماليزيا لتجديد جواز سفري، ثم المغادرة إلى كومودو في إندونيسيا للغوص فيها. ثم إنهاء العام في موريشيوس، كما اعتدت لسنتين.. ولكن، لم يحدث أي من ذلك.
