موريشيوس   الحياة من جزيرة استوائية في أفريقيا

وصلت موريشيوس، الجزيرة الفردوس بعد أن عشت جزءاً من حياتي مبنيّ على التنقل من بلد لآخر، إما للبقاء قريبة من فريق العمل في بلدٍ ما، أو لمجرد “رجولي تحكّني!” وأريد أن أجرب العيش في أفريقيا أو الدولة الفلانية التي يتحدَّث عنها الكثيرون.

ما قبل جزيرة الفردوس  

ولكنني في العام ٢٠٢٣ تحديداً، قضيت بدايته في شرق أفريقيا، حيث كنت في مسكني القروي في موشي، تنزانيا. ثم شهوراً أخرى في زنجبار، ومالاوي، وجنوب أفريقيا. بدأت تلك الرحلة في الربع الأخير من ٢٠٢٢، بعد أن استقلت من عملي كمدير تطوير أعمال إقليمي لشركة استثمارية، وهو المنصب الذي عرفت فيما بعد أن الكثيرين يقاتلون من أجله، باستثنائي أنا، وبدأت رحلة عبر شرق أفريقيا. كما تعلمون، لأجد نفسي، كأخرى من جيل الثمانينات، أتنقل عبر الحياة. جاءني ذلك المنصب مع كل ما يتطلّبه من جهد، وساعات عمل طويلة لتتوافق مع فريقي في مناطق زمنية تمتدّ ما بين إيران وحتى المغرب.

ما جاء بعد ذلك كان على شاكلة شقة في منطقة الموج في مسقط، وفيلا على الشاطئ في مكان ما في طنجة، وشقة في القاهرة حيث تنام قطة المالك خارج باب منزلي. لم أتوقف عن تفريغ حقيبتي وحزمها مرة أخرى منذ تركت ألمانيا عام ٢٠١٩. فكانت موريشيوس هي المكان الذي قررت التوقف فيه.

ولم يكن قرار التوقف هنا عقلانيا تمامًا. ففي الوقت الذي قضيته في شرق أفريقيا وجنوبها، والعودة لفترة قصيرة إلى دهب عام ٢٠٢٣، لم تكن موريشوس في مخيلتي تماماً. كانت المرة الأولى التي وجدتها على الخارطة حينما تحدّث صديقي محمد عنها وأعجبته، خلال إحدى رحلاته، بينما كنت أقضي شهراً في شاطئ دياني. لقد جئت بنية واحدة واضحة: يمكنني دائماً المغادرة إذا لم تعجبني، كأي مدينة أو دولة زرتها. وبالصدفة، مكثت لفترة أطول. على الرغم من أنني حاولت المغادرة مرتين، كما تذكّرني أدريان بذلك دائماً. بقيت فيها، ليس بشكل دائم. ولكن طويلة بما يكفي لتعليق ملابسي القليلة في الخزانة.

البيت في موريشيوس

البيت في موريشيوس

وصلت جزيرة استوائية لا أفهم لغة أهلها، كنت أظن الإنجليزية واسعة الانتشار هنا، ولذلك اخترتها. ولكن، كان ذلك جزءاً من الحقيقة فقط! يتحدث المحليّون كريول، والتي تظهر لي كالفرنسية المكسّرة، والمتعلمون منهم يتحدثون الفرنسية. الإنجليزية لغة الأعمال فقط، وهي أقل انتشاراً عن السابقتين.

أي جزء من الجزيرة سأعيش؟ لم يكن هذا القرار سهلًا، بما أنني لا أعرف أحدًا هنا بعد. فاخترت العيش أسبوعًا في جنوبها، ثم شرقها، ثم أسبوعًا آخر في شمالها، حيث منطقة قراند باي. بدت لي هذه المنطقة أفضل ما في الجزيرة.

اخترت شقة صغيرة بأثاث أبيض وديكور شاطئي في Trou Aux Biche، بدت نظيفة، ولكنها صغيرة جدًا، فبقيت فيها أسبوعًا فقط. ثم وجدت البيت الذي أريده، في Mont Choisy! خمسة غرف نوم، وحديقة بحجم معقول، ومسبح، ومركز للغوص على بعد خمس دقائق، فيما الشاطئين على بُعد ثماني دقائق مشيًا. بدا المكان مناسبًا، ويمكنني العيش هنا!

ثم أفرغت حقائبي أخيرًا!

قد يبدو هذا الأمر بسيطًا للغاية، في نظرك، ولكنه على العكس من ذلك. فعندما تسافر بنفس الطريقة التي أسافر بها، فإن تفريغ الأمتعة بعد كل هذه السنوات يعد بمثابة إعلان. كان تأكيدًا لعقلي بأنني سأبقى هنا، وسأعيش هنا، وأفرغ محتويات حقيبتي في البيت، لفترة كافية لأنسى أين وضعت المقص.

الجزيرة الفردوس لا تعترف بالوقت!

عشت طفولتي وحتى المراهقة في بيئة متعددة الثقافات والعادات. وكبرت، وعرفت الحياة على حقيقتها في ماليزيا، البلد الذي يسير وفق بنية متعددة الثقافات: الماليزية، والصينية، والهندية، وكل ما بينها، مما يبني نسخة من التعايش، لا تجدها في مكانٍ آخر. هناك قاعات طعام مشتركة، ومهرجانات منفصلة، ​​وأحياء لا تزال تحمل الفرز الاستعماري القديم.

عندما دخلت سوق السبت في بورت لويس للمرة الأولى، شعرت بنوع معين جدًا من الربكة. ليس لمجرد أنني في مكان غريب تمامًا. على العكس! هنا بقالة صينية في الزاوية، وأباريق زجاجية من البرقوق المحفوظ في النافذة. امرأة ترتدي زياً هندياً تتفاوض بلغة الكريول. ثم شخصين بسحنة صينية يتحدون الفرنسية! كان التكوين بأكمله مألوفًا وغريباً بنفس الوقت، بالطريقة التي تسمع فيها أغنية لا تتذكر إلا نصف كلماتها.

اخترت موريشيوس لهدف شخصي؛ لأُبطئ من رتم الحياة السريعة التي عشتها في السنوات الأخيرة. لكن وتيرة هذه الجزيرة كان بطيئة جدًا، ولم أستطع تحمل ذلك. وكما تعلم، فإن التنقل في بلد جديد تمامًا حيث لا تفهم اللغة المنطوقة يختلف تمامًا عن السفر عبره، حتى بالنسبة لإنسانة مثلي، عشت في ثلاثة دول مختلفة من قبل. كانت المشكلة الرئيسية هي الوقت، تؤكد لي إحدى عاملات التنظيف “سآتي في الساعة الثامنة صباحاً” ولا تصل بيتي إلا في التاسعة والنصف! أو تخبرني شركة الأثاث أنه “تم تحديد موعد التوصيل يوم الأربعاء بين التاسعة صباحًا و الواحدة ظهرًا”، كما لو كان من المفترض أن أغير جدول يومي بالكامل من أجلهم. وبالنسبة لمن قضت سنوات في تحسين حياتها رغم التنقلات الكثيرة، لم يكن هذا الأمر مريحًا أبدًا. كان امتحانًا قاسيًا على أعصابي، وكان عليّ تعلم الوقت المطاطي الذي تسير عليه الجزيرة. 

موريشيوس جزيرة استوائية في أفريقيا مختلفة تماماً عما تظن

موريشيوس مختلفة تماماً عما تظن 

ما لا تقوله كتيبات الجزيرة الفردوسية هو أن مجتمعات موريشيوس ليست متجانسة، بل طبقات متفرقة. ستجد المحليّين الكريول بأصول أفريقية جرّاد تجارة العبيد، والهنود الموريشيسيين، والفرنسيين الموريشيسيين، ثم الصينيين الموريشيسيين. تحمل كل خلفية عرقية مهرجاناتها الخاصة، ومحلات البقالة الخاصة بها، ومعابدها وكنائسها على مسافة قريبة من بعضها البعض، وكلها موجودة بالتوازي دون أن تتقارب تمامًا. فيما تجري الانتخابات على أسس وحسابات عرقية يعرفها الجميع في الجزيرة ولا يتحدث عنها أحد صراحة. لم يكن هذا الأمر جديداً تماماً عليّ، وليس بطريقة مريحة. وصلوا جميعهم إلى الجزيرة من مكان آخر، هناك من اختارها فعلياً، والبعض رغماً عنهم. لقد جاءوا جميعًا ومعهم قصص، وتاريخ، وأمتعة ثقيلة.

أعرف هذا الشعور تمامًا، لذلك، كان عليّ بناء مكاني في الجزيرة

أدركت في غضون أسابيع قليلة أنه كان عليّ بناء مجتمعي ودائرتي الخاصة هنا. ولأنني أعرف شعبي الماليزي، حيث يجمعنا حب الطعام، والتدخل في شؤون الآخرين. دعوت المقيمين الماليزيين، واستضفتهم احتفالاً بيوم الاستقلال الماليزي (ميرديكا) لأول مرة عام ٢٠٢٣. وكانت هذه المرة الأولى التي يحتفل فيها المغتربون الماليزيون في موريشيوس بميرديكا في الجزيرة، حتى الذين جلبهم الحب، وتزوّجوا من الموريشيسيين قبل الانتقال إلى الجزيرة. وبالطبع، لم أنس جيراننا السنغافوريين المقيمين فيها أيضاً.

أمران فقط أبقياني بعقل سوي في تلك جزيرة الفردوس، كان الغوص أحدها، واليوغا في بيت أدريان مرتين أسبوعياً. المحيط الهندي دافئ وصافٍ حتى ثلاثين متراً، وفيما دون ذلك يصبح غريبًا ومظلمًا وخالياً من الحياة تماماً. قضيت عامين أغوص كل أسبوع أو أسبوعين، وفي كل مرة، كانت الشعاب المرجانية مختلفة ومتشابهة في نفس الوقت، بعضها ينمو بجزيئات قليلة، وآخر يبضّ ويموت بفعل ارتفاع درجة الحرارة. نفس ثعبان البحر الموراي الذي يختبئ كلما رآني قادمة. كان هذا عكس الطريقة التي كنت أعيش بها. لا تجد تحت الماء سوى التيار، وتجمّع المرجان التالي. لا توجد مدينة للمغادرة بحلول يوم الجمعة.

إنني هنا، ولست هنا..

وبحلول السنة الثانية، تعلمت بعض الكلمات الكريولية من البستاني والغواصين المحليين. كنت أعرف أي سوبرماركت في جراند باي تبيع أفضل معجون توم يام وأرز الياسمين الذي أطبخه. نعم، اضطررت إلى تعلّم الطبخ هنا، والطبخ فعلياً، فالطعام هنا غير مقبول تمامًا. لم أتمكن من تناول دال بوري من البسطة القريبة من بيتي، عند الزاوية؛ لم تكن جذابة مع كل ذلك الذباب. ولم أستقل حافلة عامة أو القطار في البلاد. هذا أنا فقط. لم أكن أعرف معظم ألقاب جيراني، لكننا كنا نعرف وجوه بعضنا البعض، وبيوتنا. العائلة التي لديها كلب صغير ينبح طوال اليوم، والآخر الذي كان يأتي كل بضعة أسابيع مع موسيقى صاخبة للغاية، والشخص الذي اشتكيت إليه من انقطاع المياه وشاحنات CWA التي ستصل إذا رشَوْت السائق. بعض الأشياء تستغرق عامين لتعرفها، وكيف تسير.

ما لم أتوقعه هو أن أمضي عامين وأنا أشعر بأنني جزء من المكان، وغريبة عنه في آن واحد. إنني ابنة الثقافة الثالثة، على أي حال. وقد منحني ذلك معرفة خاصة بقراءة هذا النوع من الأماكن. التعايش السطحي، والانفصال الأعمق، والأطباق المُعدّلة حسب البهارات والمكونات المتوفّرة في تلك البلاد. لقد منحتني سنوات الانتقال القدرة على عدم التعلّق بأي مكان، وأي شيء. موريشيوس معقدة، وعقّدت كل شيء مررت به. يمكنك أن تعرف خبايا مكانٍ ما، ولا تزال لا تعرف كيف تنتمي إليه، أو تعتبره محطة ثابتة في حياتك.

قوس قزح الأخير

قوس قزح الأخير

في ظهيرة آخر يوم لي، أخذني سائقي أزاغان مبكرًا إلى المطار، قبل أن تؤخرنا حركة المرور نهاية يوم دراسي. تخيّل أن هناك زحام مروري في جزيرة لا يسكنها أكثر من مليون ونصف! لم يكن أزاغان متأكدًا من أحقيته في سؤالي عن وجهتي القادمة، أو متى سأعود. لكنه كان معي في الأسبوعين الأخيرين اللذين أمضيتهما في التخلص من التحف والأثريات، والمقتنيات الخاصة التي لا يمكنني حشوها في حقيبتي سفر. كان الجو غائمًا، ولا يزال رطبًا بسبب المطر الذي هطل للتو، عندما اقتربنا من المطار في الجنوب. في الأفق، قوس قزح، واضحاً للعيان، ككل المرات التي رأيته في موريشيوس فقط، بينما رأس بوذا يومئ بنعم على الطبلون طوال الوقت.

لم أكن أفكر في المدينة القادمة التي سأستقرّ فيها بعد. كل ما أعرفه الآن أنني سأحضر حفل زواج ابن أختي في مكة، كمفاجأة لهم، بعد سنواتٍ أبعدني فيها العمل والسفر عن كل المناسبات العائلية. وهذا ما يهمني الآن، فقط.

الحياة لعامين على جزيرة استوائية تعني الكثير من القصص في صندوق الذاكرة، قد تجد بعضاً منها مكاناً للظهور هنا. 

أسما قدحAuthor posts

Avatar for أسما قدح

Malaysian Travel Blogger on #TRLT. En-Ar Translator & Content Writer | مدونة ومترجمة ماليزية رحالة في الطرق الأقل سفراً

التعليقات معطلة.