الجزائر: وهران الباهية

وصلتُ إلى وهران وما زال الرمل عالقًا في حذائي. ليس من الشاطئ. فقد قضيتُ الأيام القليلة الماضية في بشّار، في جنوب الجزائر قبل الصحراء الكبرى، حيث الرمال حمراء، ناعمة، وتتغلغل في كل شيء؛ الملابس، والعدسات، وبطانة الحقيبة التي أغلقتها بإحكام في الليلة السابقة. نفضتُ حذائي مرتين قبل ركوب الطائرة الداخلية المتجهة شمالًا. لكن الرمل عاد على أي حال. رافقني إلى الباهية، المدينة المشرقة، وهو الاسم الذي يُطلقه الجزائريون على وهران، وبدا الأمر مناسبًا، إذ وصلتُ والصحراء لا تزال عالقة بي، إلى مدينة استوطنها آخرون واستعادوها لأكثر من ألف عام.

كنتُ هناك في رحلة تعريفية، ما يعني أنني تجولتُ في المدينة برفقة حراس من الدرك الوطني ومرشدة عاشت في وهران طوال حياتها، ولديها آراء راسخة حول أفضل المقاهي.

“الباهية” كما يسميها الجزائريون

لا ​​يمكنك تقليب نظرك في أي مكان في وهران دون أن تصطدم بعصر ليس عصرك. بوابة إسبانية في نهاية شارع فرنسي. أعمال حجرية عثمانية بجوار فندق يعود إلى الحقبة الاستعمارية. لقد سيطر الإسبان على المدينة لثلاثمائة عام، ثم العثمانيون، ثم الفرنسيون. تركت كل موجة بصمتها، مؤكدةً أحقيتها في الموقع الأصلي. في ساحة الأول من نوفمبر، عند نهاية شارع سومام، عمود في المنتصف، وتمثال للأمير عبد القادر على جانب، ودار الأوبرا القديمة ودار البلدية على الجانب الآخر، وفي أسفل الدرج أسدان حجريان ضخمان، ظلّا هناك لفترة طويلة لدرجة أن لا أحد في وهران يلاحظها هذه الأيام. عداي أنا والحمام، كلٌ منا بطريقته.

ساحة الأول من نوفمبر   وهران   الجزائر

ساحة الأول من نوفمبر

كان يوم ١٥ مايو ٢٠٢٢ يوماً ربيعياً مثالياً للتجول في المدينة، معتدل الحرارة، مع خيوط من السحب المتفرقة. قضيت معظم الصباح أتجول في المدينة، بين احتساء القهوة وتناول البسكويت، وبالطبع، توقفت سريعاً في ديسكو مغرب. أعجبتني هذه المدينة، هندسة المدينة المعمارية، ولمسة من فن الآرت ديكو الفرنسي، مع اللافتات العربية على المحلات التجارية وأسماء الشوارع، والمناظر الطبيعية المتوسطية المثالية. يمكنني العيش هنا، إلا أنها الجزائر، والتي فيما يبدو بتشريعاتها لا تحبّ الأجانب.

كانت الخطة بعد ظهر اليوم هي زيارة حصن سانتا كورز، والذي سيُمكّننا من رؤية المدينة بشكل أفضل. ولكن، مع حظّي المتلاعب، أصبح الجو غائمًا وعاصفًا إلى حدٍ ما، لكنني لم أهتم بكل ذلك. أنا هنا في موقع تاريخي رائع، ولا أعلم إذا كان لدي يوم آخر لزيارته.

قلعة سانتا كروز وكنيسة سيدة الخلاص   وهران، الجزائر

قلعة سانتا كروز

تقع قلعة سانتا كروز على ارتفاع كافٍ فوق وهران، بحيث أنك عندما تصل إلى هناك، ستحتضن المدنية بعينيك لتحميها من كل شر، بدلاً من النظر إليها على أنك زائر عابر. بناها الإسبان على قمة بيك دايدور، وهي إحدى ثلاث حصون متصلة بواسطة أنفاق تمتد فيما بينها. الممرات الحجرية بالداخل تجعل صدى خطواتك يعود إليك، كما تجيب الجدران. ثم تخطو للخارج وينفتح الخليج بأكمله؛ الميناء، المدينة، جبهة البحر التي كنت أسير فيها في اليوم السابق. سوف تفهم على الفور لماذا كافحت كل إمبراطورية جاءت إلى هنا للحفاظ عليها.

وبينما كنا نتجول، رآنا طاقم تصوير، لفت انتباههم وجهي الآسيوي الذي يتحدث العربية. طاقم صغير، كاميرا، ومثبّت. وجّه أحدهم العدسة نحوي وقال شيئًا باللهجة الجزائرية. ترجم دليلي “إنهم يصورون مشهدًا ترويجيًا لألعاب البحر الأبيض المتوسط، التي ستستضيفها وهران هذا الصيف، هل تودين أن تكوني جزءًا منها؟” هززت رأسي بالموافقة قبل أن تنهي الجملة. أعني، هل كنت سأقول لا! تجولت حول الحصن وهم يرشدونني. قفي هنا، انظري إلى الأفق، أرخِ كتفيك، وابطئي من مشيك. ما زلت خجولة من الكاميرا بالرغم من ذلك.

النسخة ذات العشر سنوات، الطفلة الصغيرة، ستكون معجبة جدًا بما أنا عليه الآن في الحادية والأربعين عامًا، أتجوّل في بلد جديدة، وشخص غريب يصور حدثًا لم أسمع به من قبل. هذه المدينة لا تعرفني على الإطلاق، وكنت هناك في فيديوهاتها الترويجية عبر التلفزيون ووسائل الإعلام.

واصلنا السير إلى مكان آخر حيث كان الضباب والغيوم يتداخلان مع الخلفية، ويعزلاني عن المدينة في الخلفية. أسفل الحصن مباشرة، توجد كنيسة سيدة الخلاص التي يوجد بها تمثال للسيدة العذراء مريم، ذراعيها مفتوحتين نحو البحر، وُضعت هناك بعد انتشار وباء الكوليرا. وهي تقف هكذا منذ ذلك الحين. لا أعرف ما الذي تراقبه، لكن لا يبدو أنها تستسلم.

ثم غادرنا الكنيسة وتوجّهنا عائدين إلى المدينة.

حلبة مصارعة الثيران   وهران، الجزائر

حلبة مصارعة الثيران

كانت ساحة مصارعة الثيران هي الشيء الذي لم أكن أتوقعه. أعني، إنني هنا في الجزائر! معظم أجزاء وهران مفهومة وواضحة الأسباب. لقد بنى الأسبان هذا، والعثمانيون هذا، والفرنسيون وضعوا الساحات والجادات الكبرى. لكن حلبة مصارعة الثيران أو كما يسميها الجزائريون Arènes d’Oran بناها الفرنسيون سنة ١٨٩٠م،  وليس الإسبان الذين يمتلكون تقليد مصارعة الثيران، ولكن لنشر ما اعتبره الفرنسيون “الثقافة الغربية” في هذه الدولة التي احتلّوها بنوها من أجل تأثير لم يكن لهم.

هاه! ثم احتفظ بها الجزائريون. أليس ذلك جنوناً؟

تم إغلاق الساحة خلال حرب الاستقلال وهي الآن مساحة فنية، وهو أكثر إثارة للاهتمام على أي حال. أرشدتني سيدة عند المدخل، ومن الواضح أنها قضت سنوات داخل هذه الجدران. كانت تعرف كل غرفة، وكل ممر، والملمس الدقيق للصمت في كل مساحة. مشينا معًا في غرف تغيير الملابس، مرورًا بغرفة للحجز لا تزال سليمة، وصورًا فوتوغرافية للمعارك الأخيرة في الثلاثينيات. مصارعو الثيران يرتدون بدلاتهم المضيئة، ويبدون في حيرة من أمرهم بشأن وجودهم في شمال أفريقيا. ثم توقفت في وسط الساحة الرئيسية وصفقت مرة واحدة. عاد الصدى من أربعة اتجاهات مختلفة. لا أعرف لماذا حركني ذلك إلى هذا الحد.

سألت إذا كان هناك من لا يزال يتحدث عن مصارعة الثيران كتقليد حي هنا. قالت أنهم لا يفعلون ذلك. ما يتحدثون عنه هو الشاب خالد ورشيد طه ومغني الراي الذين ملأوا هذه المساحة لسنوات. الفصل الإسباني عبارة عن حاشية، فيما الموسيقى لا تزال قيد الكتابة.

قصر الباي في وهران، الجزائر

قصر الباي في وهران 

جزء كبير من المنطقة المحيطة بالرأس المطل على الميناء هي منطقة عسكرية، لكن لا تدع ذلك يمنعك من زيارة القلعة الجديدة. وهي في الواقع حصن مرينيد سلطان أبو حسن الذي يعود إلى القرن الرابع عشر. جزء من المجمع مغلق، لأسباب أجهلها، ولكن قصر الباي مفتوح. مطلّ على المدينة والميناء، والبحر، والبوابة مثير للإعجاب، ولكن لم يتبق سوى القليل من الجلالة في المبنى. شيد المرينيد سلطان أبو حسن الجدران الضخمة لأول مرة في أربعينيات القرن الرابع عشر، وعززها الإسبان في عام ١٥٠٩، والعثمانيون في القرن الثامن عشر. ثم أحدث الفرنسيون تعديلات في القرن التاسع عشر، وحوّلوها إلى ثكنة عسكرية، وأضافوا فيها سجناً.

نقل الباي ، محمد الكبير، منزله إلى الحصن بعد أن أخلاه الإسبان عام ١٧٩٢. تجوّلت في المكان مع محاولة تخيّل حياة الباي فيها. مروراً بالغرفة العامة الرئيسية، ثم الديوان الذي يشتمل على مدفأة حيث كان عرش السلطان يقف تحت سقف مطلي. في الفناء الداخلي، إلى اليسار، ستجد غرفة المحظية المفضلة، ذات الجدران الجصية المتقنة والأسقف المطلية.

يوم للراحة

قضيت اليوم التالي مسترخية على شاطئ الأندلسيات (Plage les Andalouses)، مدللة نفسي بالجمّام المغربي في المنتجع. مرّت فترة طويلة منذ استرخيت كهذا، مع كل رحلات العمل في سريلانكا ورحلات التسلّق بجبال أنابورنا في النيبال. هذه المدينة رائعة، والهدوء الذي يخيم عليها يناسبني جداً، ولولا أن فترة تنقلاتي فيها قصيرة لكنت قضيت فيها أياماً أكثر. توجّهت بعدها إلى تلمسان، مدينة أصغر حجماً لكنها تحظى بالكثير من التاريخ الإسلامي.

الرمل القادم من بشار لا يزال في حقيبتي عندما غادرت. وانتهى الأمر ببعضه في مكان آخر!

أسما قدحAuthor posts

Avatar for أسما قدح

Malaysian Travel Blogger on #TRLT. En-Ar Translator & Content Writer | مدونة ومترجمة ماليزية رحالة في الطرق الأقل سفراً

3 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *