وضعت قائمة قصيرة لنفسي أثناء التخطيط لزيارة تنزانيا؛ عبور الحدود برًا إلى دار السلام، واحتساء القهوة في موشي، ومشاهدة أول شروق شمس في عام ٢٠٢٣ على قمة كليمنجارو، والاستمتاع بالحياة على الجزيرة بكل تفاصيلها والمشي حافية في زنجبار. وكما تعلمون، فقد أنجزت كل ذلك باستثناء تسلق كليمنجارو، إذ أزعجتني التهابات الجيوب الأنفية قبل ثلاثة أيام من الرحلة في موشي. شعرت بخيبة أمل، لكن هذه قصة أخرى، سأحكيها لك في يوم آخر.
أين وصلت؟ زنجبار..
تستقبلك الجزيرة بترحاب وحفوٍّ بالغٍ فور وصولك. على الطريق أمام المطار، توجد أرجوحة على الرمال ولوحة كُتب عليها “ابتسم، أنت في زنجبار”، والجميع يرحب بك بابتسامة تسبق “كاريبو سانا” السواحيلية. كاريبو، المنحدرة من “قريب” العربية، والتي تذكّرني بالترحيب العماني “اقرب”.
زنجبار هي بوتقة تنصهر فيها الثقافات. اشتهرت هذه الجزيرة الخلابة في العصور القديمة بتجارة بهاراتها، وكونها محطة لتجميع الأفارقة العبيد قبل بيعهم في الدول العربية. وصلتها بعد ذلك العديد من الثقافات المتنوعة، بما في ذلك البرتغاليون الذين احتلوا المحيط الهندي وحكموه. وعندما تولى البريطانيون السلطة في الغرب، حلّوا محل البرتغال.
أما أنا، فعرفت الجزيرة برمالها الناعمة البيضاء كما تصوّرها الفيديوهات السياحية الترويجية للجزيرة، فيما تتراصّ المنتجعات الشاملة، والشواطئ الخلابة. لم أكن متحمسة لذلك النوع من الفنادق بالطبع أو حجر نفسي في مكانٍ مزدحم بالسائحين. ولكن بعد شهر من السفر عبر قرى ومدن تنزانيا الجبلية، كنت مستعدة للمشي حافية في أي وقت من اليوم. ووصلتُ زنجبار في يوم صيفي حار ورطب، في العاشر من يناير، بينما كان زملائي في نصف الكرة الشمالي يتذمرون من الرياح الباردة ومتاعب تنقلاتهم اليومية إلى العمل.
هنا، يُبطئ المكان الصغير وتيرة أسبوعك شئت أم أبيت، تمامًا كما هو الحال في شاطئ دياني بكينيا، وقد جئتُ إلى هنا لأكتشف أمرًا واحدًا فقط: “هل يُمكنني العيش هنا؟”، وهو السؤال نفسه الذي أطرحه على نفسي في كل وجهة، حتى في كيلوا ماسوكو، حيث كنتُ السائحة الآسيوية الوحيدة (المزونغو) في بلدة ساحلية نائية تكاد تخلو من الأجانب.

رحالة رقمية في زنجبار
حجزتُ غرفة لثلاث ليالٍ، لأرتاح وأستشعر أجواء الحياة على الجزيرة. كان بيت الضيافة في جامبياني عبارة عن صف من الأكواخ الخشبية السوداء ذات الأسقف المصنوعة من القش حول مسبح صغير. جلست واضعة حاسوبي بجانب تلك البركة في الصباح الأول، ولم أغيرّ حطتي بعدها. تحوّلت الليالي الثلاث إلى أسبوع، وأصبحت إقامتي من النوع الذي يعرف فيه طاقم المطبخ عدد جرعات الإسبريسو التي أضعها في قهوتي الصباحية، وبدأت أعرف متى سينقطع التيار الكهربائي خلال اليوم.
يحكم يومي أمران، بينهما فراغٌ طويل. العمل في الصباح، ثم كل ماهو متعلّق بالبحر من الرابعة مساءً. هنا رحالة رقمية عليها أن تدير فريقاً في أقصى شمال القارة الأفريقية، وأن تكون على اتصال دائم بزملائها في قارات أخرى. إضافةً إلى ذلك، يأتي الأسبوع الثاني من يناير بطموحات وأهداف العام الجديد لمعظمهم. ومع ذلك، فأنا محظوظةٌ بهذه الجزيرة. كانت الاجتماعات تُعقد باكرًا بينما القرية لا تزال نائمة. إيميلات، تقارير، عقود، لا بدّ لأحدٍ أن يفعل شيئًا لسداد الفواتير، أليس كذلك؟ وأذكّر نفسي بأنني أستطيع فعل كل ذلك على شرفة في السادسة صباحًا مع قهوة أعددتها بنفسي في مطبخ مشترك، وحين لا أتحمّل الشمس الحارقة في منتصف النهار الحار أغلق حاسوبي وأنزل إلى المسبح المغري أمامي. هذا هو جوهر الحياة.
ستجد ألذّ أناناس هنا!
الحياة خارج غرف المنتجعات الفاخرة وفيلات وشقق الأجانب شبه المستقرّين فيها كانت الجزيرة تعاني من شحّ الموارد، وهو أمر لا يُصوّره أحد ولا يتحدث عنه. يكتفي السائحون هنا بلحظات من التعاطف؛ “يا إلهي! إنه مؤسف للغاية”، ثم يتابعون طريقهم إلى بوفيهاتهم المفتوحة. لم أكن استثناءً. على جانب الطريق، ترى صفًا طويلًا من الدلاء والجراكن. لم أعِر الأمر اهتمامًا كبيرًا في البداية، حتى رأيت سيدات مسنّات يقفن بجانبها أو يجلسن تحت الشجرة في الظل، يحدقن في الأفق، ينتظرن شيئًا ما، اتضح في النهاية أنها شاحنة المياه! كنت أمرّ بجانب ذلك الصف في معظم الأيام.
أتوقف كل يوم عند كشك الفاكهة في طريقي إلى الشاطئ. كانت عائشة، صاحبة الكشك، تنادي اسمي، وتشير إلى أناناس ومانجو صغيرتين احتفظت بهما لي منذ الصباح بجانب حقيبة يدها. أمسك الأناناس، وأشم رائحته، إنه أحلى ما تذوقته في حياتي! لأطلب منها تقطيعهما وتعبئتها في كيس بلاستيكي صغير. استغرق الأمر منا بضعة أيام لنتعرف على بعضنا جيدًا، حتى أدركت أنني لا أعرف كيف أقطع الأناناس، ولم أجرب ذلك من قبل أصلًا. بعد أسبوعين، كنت أعلمها بعض الكلمات الإنجليزية، وكانت تعلمني السواحيلية، كلمة كلمة، بينما نتناول الأناناس والمانجو.

طاولة عشاء عالمية
يسود الظلام هنا تمامًا بعد غروب الشمس لانعدام أضواء الشوارع. كانت تلك إشارة لي للعودة إلى بيت الضيافة، وأتمنى ألا تصدمني سيارة أو أن أواجه أبقارًا سائبة في مكان ما.
لحسن حظي، كان بيت الضيافة يُقيم وجبات عشاء جماعية، وكانت الوجوه نفسها تجتمع كل مساء؛ هنا مسافرون جاؤوا لبضع ليالٍ، ثم مددوا إقامتهم لأسابيع، وموظفون محليون يتناولون العشاء ويتجادلون ويضحكون معنا. وفّر عليّ ذلك الكثير من الجهد الذي كنت سأهدره في أحاديث عابرة. في بعض الليالي، كنا نجلس عشرين شخصًا حول طاولة خشبية واحدة، وأطباق من الأرز والسمك، ومزيج من الطعام الزنجباري من كل ما يبيعه سكان الجزيرة. يمرّ ويتقاطع الرحالة والسائحون، يأتون ويغادرون وفقًا لجدولهم الخاص، ألمانيٌّ مكث هناك ثلاثة أشهر، وزوجان سيغادران صباحًا، وشخصٌ جديدٌ وصل بعد الظهر وحجز مقعده على الطاولة. حفظتُ أسماءً ثم نسيتها، ثم حفظتُ أسماءً أخرى. حتى أنني في مساءٍ ما، جلست إلى جانب سيدة دنماركية في الثمانين من عمرها، تسافر وحدها في الجزيرة. في جعبتها الكثير من القصص، وحكايات عن زوجها الذي عاشت معه في دار السلام قبل ثلاثين عامًا.
في صباحي الأخير في زنجبار، أعددتُ القهوة، ولعبتُ مع سيمبا، جرو بيت الضيافة. ودّعتُ الجميع، وانتظرتُ السائق ليُوصلني إلى المطار، فيما خريطة أفريقيا مُعلّقة على مرآة سيارته الأمامية. ينتظرني يومٌ طويلٌ للوصول إلى إمبيا، لعبور حدودٍ أخرى، هذه المرة إلى مالاوي.
