تبيع بودابست كل ما لا تحتاج إليه بشكل جميل، ومغرٍ للغاية. في نصف شوارع بيلفاروش، تجد متجرًا بواجهة مليئة بصور حياة الآخرين، فضيات تراكَم عليها البهتان بشكل جميل، ساعات توقّفت لعشرات العقود، وربما تناوب عليها الملّاك، خريطة ملقاة على جانب المحل، ولعبة قديمة على شكل جرار معدني بعجلات برتقالية، ولافتة بجانبه كُتب عليها “ماجاس آرون!”، والتي ترجمها لي صاحب متجر بابتسامة: غالي الثمن. جئتُ لمدة أسبوع، إلى مدينة تشتهر بنهرها وبرلمانها، وقضيت نصفه داخل المباني، منكبة على الواجهات الزجاجية للمحلات.
تدفعك المباني لفعل ذلك. جانب بيست متلاصق، كل واجهة منحوتة، مزينة بالبلاط، ذات أبراج، تتنافس على جذب انتباهك. قصور كلوتيلد متقابلة عبر الطريق كشقيقتين ترفضان الاعتراف بأنهما ارتدتا نفس الملابس. البرلمان الذي تربّع بجدارة كل صور البطاقات البريدية، بطرازه القوطي الجديد الباهت، متحديًا نهر الدانوب أن يعكسه كما ينبغي. لكن الأبواب أبطأتني، حديد ثقيل وحجر رمادي، بُنيت في عهود كان الناس فيها يركبون عربات تجرّها الحيوانات، ويتوقعون أن يُعلن وصولهم. صوّرتها كما أصوّر الأبواب في كل مكان. وكما تعرف عن هوسي بالأبواب على كل حال.
بوادبست بين المقتنيات القديمة
خلف الأبواب الفخمة، تعرض المدينة ماضيها على الرفوف، قد يبدو الأمر عادياً للغالبية من البشر، وربما جميلاً للبعض، ولكنها مشكلة كبيرة للغاية لي. أحمل حياتي في حقيبة صغيرة لا تتجاوز ٦٥ لتراً، وعليّ التأكد من ترتيب محتوياتها وحزمها جيداً، دائماً. لا أملك شقة تنتظرني برفوف فارغة، ولا زاوية في منزل العائلة حيث يمكن لشيء ما أن يتراكم عليه الغبار بسلام. كل شيء جميل هو جدال صغير عليّ أن أنتصر فيه على نفسي. ذلك الكوب الفضي يبدو رائعاً للغاية، وأعيده للرف. أوه، هذا الصندوق المنحوت عمره مئتا عام، وسيبقى كذلك بدوني.
لذا درّبت نفسي على ألا أرغب في شراء أي شيء دون التفكير ٥٠٠ مرة، إن كنت سأحمله حقاً في حقيبتي، دون أن أتخلّى عنه في مدينة ما. تنجح تلك الخطة في أغلب الأحيان. الشيء الذي يُحطّمني، في كل بلد، هو الخرائط. ليس تلك المطبوعات السياحية المزخرفة، بل الخرائط الأصلية، البالية والمتآكلة بطيّات واضحة للعيان، التي رسمها أحدهم دون جوجل إيرث أو أقمار صناعية. بعض الخرائط تتلاشى فيها الحقائق في منتصف الطريق، وتعتمد على الشائعات، كخط ساحلي دقيق لفترة ثم يتحول إلى تخمينات، وقارة على شكل أمنية. ما يُثير إعجابي هو قراءة تلك الخرائط والتمعّن في مدى اتساع عالم شخص ما، وأين انتهى.
لم تكن هذه الخرائط بريئة. فالخرائط القيّمة منها رُسمت ليستخدمها التجار والمستعمرون، كقائمة بأماكن ينوون الاستيلاء عليها ونهبها وتغيير أسمائها. كانت الخريطة الجميلة أداة للسرقة. مرّ أحدهم بها، ورفع علمًا عند نهاية خط ساحلي دقيق، وسمّى ذلك اكتشافًا، وكأن الأرض كانت خالية، وكأن السكان الذين يعيشون فيها خطأ إداري يجب تصحيحه أو إزالته. يبدو أن الاستعمار بهذه الطريقة، برسام وورقة بيضاء، قبل وصول السفن المُحمّلة بالأسلحة بوقت طويل. أم بدأ بالخريطة نفسها، بفعل رسم مكان نوى إنسان الاستيلاء عليه؟ عندما تمسك بشيء كهذا، تشعر بكلا النصفين في آن واحد، الحرفية والجريمة، الحبر والإمبراطورية التي خدمها.
هنا آسيا الشرقية
وجدت خريطتي في Sós Antikvárium، الواقع على شارع Váci، في إحدى الأدراج التي فتحتها السيدة بعناية شديدة. المحيط الهندي الشرقي، كما هو مكتوب في التسمية الألمانية، وجزر سوندا الممتدة على طول القاع، والمدى البعيد للمياه الذي عبرته السفن الأوروبية للوصول إلى نصف العالم، مرسومة بلغة غريبة لم يتحدثها أحد في تلك الجزر. لقد فعلت الشيء الذي أفعله دائمًا، أعجبت بالخريطة وكل تفاصيلها الصغيرة، ووضعتها جانباً ريثما أقلّب المستندات الأخرى. لكنني لم أستطع تغاضي الخريطة هنا. ولأول مرة منذ سنوات، أتذكر كل تلك الكتب التي قرأتها عن ابن بطوطة وما رآه في سفره، هل كانت لديه خريطة في جيبه؟
كنت أناقش نفسي. ليس لدي جدار، ابتسمت في وجه العجوز الخالي من أي مشاعه، والتي كانت تنتظرني أن أقرر. “حسنًا، هذه فقط، من فضلك.” قامت بتسويته، ولفه في ورقة دعم كبيرة ثم من البلاستيك، وسلمته كما لو أنها رأت هذا النوع من الزبائن من قبل.

لا يعجبني الطعام في بودابست
بين التسكّع والتنقل بين المحلات التجارية، تركت للمدينة قرار ما سآكله خلال اليوم، أو حاولت ذلك. قاعة السوق المركزية عبارة عن كاتدرائية من الطعام تحت سقف حديدي، والفلفل الحلو الأحمر المعلق في حبال سميكة، والسلامي في صفوف داكنة، وكعكة العسل مكدسة في سلال وكأن المدينة تتوقّع عودة جيشها منتصراً. أمسكت بوعاء به شيء مخبوز، وبلون ذهبي، التقطت صورة له، لانستغرام، وذاكرتي القصيرة. لم أستسغ الطعام المجري أبداً. كان ثقيلًا على المعدة، لونه بيج، بدون نكهات قوية، ومصمم لأجسام متأقلمة على الأجواء الباردة. أكلت الخبز واحتفظت بكعكة العسل وتركت الباقي.
لكن المقاهي ترسم أحياء المدينة بأناقة. تتعامل بودابست مع القهوة على أنها ميراث، هذه الغرف الواسعة وبأسقف عالية ترتديها كالمجوهرات، مزينة بالخطوط الذهبية والجص المطلي. إنها ذلك النوع من الغرف التي تشعر بالذنب لمجرد شرب قهوة إسبرسو سريعة، دون أن تجلس وتتأمّل زواياها. جلست في واحدة لفترة أطول بكثير مما تبرره القهوة، والخريطة مسطحة في حقيبتي، أفعل الشيء المفضل لدي، وهو لا شيء، باهظ الثمن.
المكان كله يتغير خلال العام. لسنوات لم أكن أرى بودابست إلا في الشتاء، وأعجبتني فكرة الحمامات التي يتصاعد منها البخار في الهواء البارد، والمياه الحرارية التي تحول السباحين إلى أشكال في الضباب، فيما المدينة تنحني إلى الداخل. شعرت بهذه النسخة في كل صورة للفناء الفارغ، وفي كل متجر تم بناؤه لأيام قصيرة وجلسات طويلة. هذه المرة، قضيت أسبوعاً صيفياً هنا، كان صاخبًا بضوء النهار، والحدائق خضراء أمام البرلمان، والنهار يمتدّ حتى الساعة التاسعة مساءً. وفي شارع خلف الحي اليهودي القديم، حيث علقت الأعلام الإسرائيلية بلا خجل من أكثر من نافذة، كتب أحدهم “فلسطين حرة” باللون الأسود، فيما شابة تجلس على المقعد جواره، تدخن تحت الشمس.
٢٤ يونيو ٢٠٢٤.
٢٧ يونيو ٢٠٢٦
وجدت تلك الخريطة القديمة قبل بضعة أسابيع في حقيبة سفري التي أعدت ترتيبها بعد عام من مغادرة موريشيوس. كانت لا تزال ملفوفة، وتذكرت جميع الأسباب التي جعلت بودابست إحدى المدن المفضلة لدي. فتحت الحقيبة بعد فكرة زيارة اليابان للمرة الأولى، والإبحار بين عدد من الجزر هناك لبضعة أشهر، في رحلة لم أخطط لها هذا العام أبداً. بدأت قراءة خرائط مسار رحلتنا، لربما تمكّنت من قراءة السواحل كما هي، وأشاهد الأرض وهي تخرج من الضباب بالطريقة التي يجب أن يفعلها رسامو الخرائط هؤلاء. الفعل ذاته، بنيّة مختلفة، فسأكون هناك من أجل الكثير من السوشي والقرطاسيات.
