يعرفني المقرّبون مني بخططي غير المعقولة، ويسمّونها مغامرات أحياناً، فيما هي مجرد قرارات اتخذتها كإجابة على سؤال طرحته على نفسي، في ساعة متأخرة من اليوم. وكانت هذه المرة: كيف أصل إلى شلال بيسو بيسو، ثم بحيرة توبا.
ألقيت نظرة على خريطة سومطرة بكبرها، في إحدى الأيام التي قضيتها في بريستاقي. لديّ رغبة كبيرة في زيارة أكبر قدر ممكن من المناطق الرئيسية، لكنني أريد أيضاً قضاء وقتٍ كافٍ منعزلة عن الناس، وبعيداً عن زحام المدن الكبرى، أو المنتجعات السياحية. لذلك وقع اختياري على جزيرة سيموسير، في سومطرة. وإذا تأملت الخريطة من عُلٍ، سترى أنها تُمثل فكرة Inception بشكل عجيب! سترى أنها جزيرة سومطرة، تتوسطها بحيرة توبا الكبيرة، وبداخلها جزيرة بركانية، وهي جزيرة سيموسير. وأنا هنا الآن، أكتب من غرفة صغيرة تطلّ على بحيرة توبا.
مولد الفكرة
رتبت خطة تنقلاتي في جزيرة سومطرة، بناءً على ما أريد زيارته، والثلاثين يوماً المتاحة في تأشيرتي. وأخبرت إسماعيل (المرشد السياحي) بأنني سأذهب شمالاً أولاً، حيث جزيرة ويه وأقضي فيها أسبوعاً، ثم أعود مرة أخرى إلى وسط الجزيرة مروراً بميدان، ثم قرية بريستاقي، ومن هنا أكمل طريقي جنوباً، إلى جزيرة سيموسير. ذكّرني: “ثم عليك الانتقال إلى كابنجاهي، هناك الكثير من الحافلات التي تسير في هذا الاتجاه، لذلك لن تواجهك أي مشكلة. أخبري السائق أن ينزلك في منطقة شلال بيسو بيسو. ثم ابحثي عن توك-توك، سيكلفك كذا وكذا…”

ستة وعشرين ساعة في طرقات سومطرة
بدأت الرحلة منذ أن غادرت منتجع Freddie في جزيرة ويه؛ أقلّني السائق إلى ميناء العبّارات، وساعدني في شراء التذاكر. انتظرت نصف ساعة، وتناولت الغداء في الميناء، لأنني أعرف طول الطريق لاحقاً. كانت المسافة أسرع هذه المرة، ساعة ونصف فقط، وانتقلت مباشرة إلى محطة الحافلات في بندا أتشيه.
ستظنّ أن هناك خطة محكمة في هذا المسار، لكنني أسير في هذه الحياة أساساً بدون خطة. كانت الفكرة الأساسية أن أبيت ليلة في ميدان، خاصة وأن شيئاً ما بداخلي يمنعني من المبيت أو المكوث حتى لليلة واحدة في بندا أتشيه. لم أحب المنطقة منذ دخلتها، ولم أشعر بأنه مرحب بوجود أي سائح هنا، خاصة ممن هم على شاكلتي.
انطلقت الحافلة المسائية من بندا أتشيه عند السادسة مساءً، لم يكن السائق مجنوناً هذه المرة. بل كانت الرحلة مريحة إلى حدٍ ما، فقد اعتدت على أضواء النيون والموسيقى الصاخبة طوال الرحلة، والتكييف البارد جداً. أو أنني كنت فقط مرهقة. وصلت إلى ميدان في الصباح الباكر، بينما المدينة مزدحمة بالطلاب إلى مدارسهم.
غيّرت رأيي، لماذا أضيّع يوماً آخر في ميدان؟ يمكنني الانتقال مباشرة إلى بيراستاقي، سأستريح هناك. وأخبرت “إسماعيل” بأنني قادمة، سأصل خلال ساعتين أو ثلاثة على الأكثر. نسيت حينها أنه منشغل في رحلة إلى الغابات مع عملاء آخرين، ما يعني أنه لا يمكنه نقلي أي مكان.
حسناً.. الأمر ليس بهذا السوء! أعرف بيراستاقي جيداً. وصلت إلى محطة الحافلات في بيراستاقي، مازلت نشِطة، جيد! ثم، فكّرت بأنني رأيت معظم ما يهمّني في بيراستاقي، فلمَ أقضي فيها ليلة أخرى؟ الأفضل أن أكمِل طريقي، وسأنام لاحقاً عند الشلال. ولم أكن أعرف أنه أسوأ قرار اتخذته هذا الأسبوع.
لن يذهب شلال بيسو بيسو إلى أي مكان!
إن وجدت فرصة لأن ينقلك سائق خاص إلى شلال بيسو بيسو، فافعلها. لا يستحق الأمر أن تكون مغامراً مجنوناً مثلي. ربما ليس في إندونيسيا أو سومطرة على الأقل. وإن وجدت فرصة للراحة ولو ليوم واحد بين تنقلاتك، فافعل ذلك. ليس من الجيّد أن تستعجل، فلن يغادر الشلال إلى أي مكان. وكان هذا أكبر درس علي تعلّمه هنا.
بحثت عن حافلة أخرى تأخذني إلى كابنجاهي. أعرف مساري جيداً، وكنت أتبادل بعضاً من الحديث مع السكان المحليين في الحافلة. ساعدوني كثيراً، وأخبروا السائق أن ينزلني في أقرب منطقة ممكنة.
مطر خفيف يهطل الآن، ولكنه اشتدّ حينما اقتربت من محطتي، الأخيرة، قبل الشلال، حيث أنزلني السائق. ركبت بعدها توك-توك، طلبت منه إيصالي إلى شلال بيسو بيسو، فيما أسأله عن بيت ضيافة قريب منه. فاجأني بعدها بأنه لا مساكن هنا قرب الشلال، فجميع الزائرين يأتونها في رحلات يومية ويقضون ساعتين، ليكملوا طريقهم إلى القرية، في الوادي.
إنها منطقة سياحية بالكامل، لكنها لا تحوي أي مكانٍ للسكن.

“هل أنتِ وحدك؟”
وصلت إلى الشلال، عظيم! لكنني مرهقة، والمطر أصبح قوياً للغاية، ولن أتمكن من النزول والصعود حاملة حقيبتي. ولا أعرف إن كان بإمكاني استئمان أي أحد هنا، هذه إندونيسيا على كل حال.
تراكم عليّ تعب الطريق، وبدا ذلك واضحاً على وجهي. أردت فقط أن ألتقِط أنفاسي بهدوء، دون أن يسألني أحد عمّن أكون. جلست في مطعم محليّ صغير، كنت الوحيدة هناك، كسائحة غير محلية. يسألونني جميعهم عن وُجهتي، وأين أريد أن أذهب، وكيف أنني وحدي هنا. شاركني الطاولة فيما بعد مرشد سياحي، عرف أنني وحيدة. أخبرني عن كيف أنها مجازفة مجنونة. ووافقته، لكنه طلبت منه ألا يخبر أي أحد، لسلامتي.
ثم رآني مصوّرَين محليّيَن، كانوا في الأصل قادمين من ميدان في مهمة عمل، ورأوا حيرتي وحالة الضياع التي كنت فيها. أخبرتهم بأنني أبحث عن مكانٍ للنوم هذه الليلة فقط، أي مكان. وأخذوني إلى مطعم آخر مجاوِر، تملكه سيدة من هذه القرية. وعادة ما يجلس في محلّها رحالة أو متسلقي الجبال. حسناً، لا يبدو الأمر سيئاً، إنها سيدة على الأقل. وتشكّلت الصورة الكاملة في ذهني، وعرفت بعدها أن السفر الفردي في سومطرة ليس سهلاً!
السيدة إيما، المنقذة لهذه الليلة
طلبت مني “إيما” الجلوس على أي طاولة أريد، أخبرتني أنها صاحبة المكان، وهذا زوجها. تبدو كبيرة في السن، وجهها مريح، وحديثها مريح. أعدّت لي طبقاً خفيفاً، تذكرت بأنني لم آكل منذ اليوم السابق. إنها الخامسة مساءً، ومعظم الزوار يغادرون الشلال والمنطقة في هذا الوقت.
على طاولة في الزاوية، جلس مسافرَين أسبانيين، يقيمون لدى سيدة إندونيسية، وأخبروني بأن هناك قرية بالقرب من هنا بها مجموعة من المساكن للاستئجار. استشرت “إيما”، أخبرتها أنني أبحث عن مكانٍ للنوم؛ عرضت عليّ المبيت في محلّها، هناك غرفة صغيرة في الدور السفلي، حيث تقيم مع زوجها إن لم يستطعون العودة إلى بيتهم. لم يناسبني هذا الترتيب أبداً، أريد مكاناً حقيقياً للنوم.
أخبرتني بعد مدة عن قرية مطلّة على بحيرة توبا، بها بيت ضيافة يعرفون مالكته. حسناً، فكرة جيدة. أوصلني زوجها بالدباب، فيما حقيبتي معلقة على ظهري. أخبرني بأنه يمكنني الاتصال بهم في أي وقت، وتحدّث قليلاً مع سيدة المكان قبل أن يعود إلى محله. يبدو المسكن جديداً، ومازالوا يكملون تأثيثه. لا يهم. كل ما أبحث عنه الآن مكان للاستحمام والتقاط أنفاسي، والنوم لساعات طويلة. أردت فقط أن أرتاح هذه الليلة، كانت المسافة أطول مما تخيلت.

إنني خائفة..
لم أشعر بالوِحدة أو الخوف في أي بلدٍ زرته من قبل، ليس مثل سومطرة.
أغلقت باب الغرفة خلفي، جلست أرضاً، وبكيت. إنني مرهقة، وخائفة من شيئاً ما. فيما أحاول استيعاب كل ما حدث فعلاً، وكل محادثة مع غريب هنا، يسألني إن كنت أسافر وحدي، ليأخذ دقيقة يحلل فيها إن كنت فريسة مناسبة أم لا. أعرف جيداً أنني كنت خائفة طوال الطريق، وقلقة من كل شيء. وفي النهاية، متعبة من ست وعشرين ساعة بدون نوم متواصل أو لحظة هادئة. وبكيت. احتجت إلى صوتٍ مألوف لأحدثه، وبكيت على مسمعٍ من “مارتين”. أخبرته أنني خائفة، هنا، على بُعدِ آلاف الكيلومترات بيني وبينه.
الغرفة التي استأجرتها لليلة الأولى تطلّ مباشرة على بحيرة توبا. وبالنسبة لأي مكان في سومطرة، فهذه المنطقة هادئة للغاية. يمكنني حتى سماع أنفاسي. جميل، هذا ما أردته بعد كمٍ هائل من الأحداث، والناس في الليلة السابقة. حاولت النوم بعد مكالمة طويلة مع مارتين، مليئة بالبكاء والتشكي، ليخبرني بأنه سيأتي غداً من كوالالمبور، عليّ فقط انتظاره هنا. كان جسدي مرهقاً للغاية، وبحاجة لنوم عميق. تناولت حبة منوم، فلربما يمكنني النوم جيداً هذه الليلة.
في الصباح، استوعبت تصميم الغرفة العجيب. هنا باب آخر في الغرفة مطلّ على البحيرة، يمكنك فتحه والجلوس على حافة الشرفة أو القفز لتسبح في البحيرة. لا أعرف لم أخاف من السباحة في البحيرات. لكنن الهواء هذا الصباح عليل هنا، وأمطار خفيفة تهطل من حين لآخر تلطّف المكان أكثر. لم يكن قلبي هادئاً، وربما مازال عقلي يغتسل من كل ما حدث.

لا تعليق