تخيل أنك تمشي في متحف حي، ترى فيه كل ما هو مرتبط بالآثار التاريخية القديمة، وتتذوق فيه لذة الطعام العماني. أخبرت “رياض” حينما كنا نضع ترتيبات رحلتي إلى سلطنة عمان أنه يجب أن يضع زيارة نزوى في رأس القائمة، فقد كانت إحدى المناطق التي رغبت فيها زيارتها لسنوات..
كانت الجغرافيا إحدى المواد المثيرة للاهتمام في المدرسة، وذلك ببساطة لأنني كنت أتصفح الخرائط وأحفر بشكل أعمق في أماكن بأسماء لم أسمع عنها من قبل، وفي الغالب لم تكن محور التركيز الرئيسي لتلك البلاد بالذات، مثل القرى والبلدات الصغيرة. كانت مكتبة والدي وكتبه المكدسة هناك لتشبع فضولي في علم اللغة والأدب؛ في هذه الأثناء، كانت مكتبة زوج أختي الأكبر تعجّ بالموسوعات وكتب الجغرافيا، مما سمح لي بالبحث وتنويع الموارد الثقافية في البيت، بدلاً من مشاوير المكتبة العامة، وهو أمر غير متاح على أي حال لفتاة في الثانية عشر من عمرها، لتقوم بها بمفردها. كما تعلمون، الحياة في السعودية في التسعينات وما يأتي معها.
كانت عمان إحدى تلك الدول التي سمعت عنها منذ سنوات ولم أزرها قط، على الرغم من أنني عشت في المنطقة لمدة ثمانية عشر عامًا، باستثناء مرور قصير في مسقط في نهاية عام ٢٠٠٤ مع مجاهد (كمولود جديد) لزيارة عائلتي. وبعد ستة عشر عامًا، ها أنا أسير في مسقط لبضعة أيام، ثم في طريقي إلى نزوى، قبل أيام قليلة من ليلة رأس السنة ٢٠٢٠.

نزوى، عاصمة سلطنة عمان التاريخية
شعرت وكأنني أتنقل بين أقسام متحف حي، كل شيء مرتبط بالحجر القديم والآثار القديمة، مع ما لذّ من الطعام العماني طبعًا. قبل نصف قرن فقط، تم إبعاد المستكشف البريطاني ويلفريد ثيسيجر عن هذه المدينة نفسها. كان دليله البدوي متأكداً من أنه لن ينجو من النزعة المحافِظة في نزوى، ورفضوا السماح له بالدخول. كنت أقرأ كتابه “رمال عربية” قبل الرحلة (متى سيجد الغرب عناوين أفضل للشرق؟)، لمقارنة وجهة نظري بآرائه، والاطلاع على نظرة العالم الغربي إلى هذه البلاد في نفس السنوات التي انتقل فيها والدي من ماليزيا إلى السعودية.
وستندهش الآن عندما تعلم أن نزوى أصبحت ثاني أكبر وجهة سياحية في عمان، على الرغم من أنها لا تزال مدينة محافِظة، وتتوقع قدرًا من الأدب والاحترام من الزوّار لعاداتها.
لقد زرت عددًا من الحصون والقصور والقلاع في جميع أنحاء أوروبا وجنوب شرق آسيا، لكن قلعة نزوى لها مكانة خاصة في قلبي، ولم أتمكن من تحديد السبب حتى الآن.
قلعة نزوى
بُنِيت القلعة عام ١٦٦٨م، على يد الإمام سلطان بن سيف اليعربي، وهو اسم لا ينبغي أن تنساه إذا كنت تقرأ عن الاستعمار. استغرق البناء اثنتي عشرة سنة، مبني فوق مجرى مائي تحت الأرض. كان الحصن المقر الإداري للأئمة والولاة في أوقات السلم والصراع، وكان بمثابة حصن هائل ضد القوى المُغيرة من أجل ثروات نزوى الطبيعية الوفيرة وموقعها على مفترق طرق تجاري حيوية. واليوم هو الموقع الأكثر زيارة في عمان، وهو مثال استثنائي للهندسة المعمارية العمانية القديمة. هنا، تصعد إلى قمة البرج الدائري وتستمتع بمنظر الجبال الوعرة ومزارع النخيل الخضراء والمنازل المطلية باللون الأبيض.
خارج المبنى الرئيسي مباشرة، يمكنك الوصول إلى السوق. لقد كانت أهمية نزوى دائمًا هي مكانتها على مفترق الطرق الثقافية في عمان. وهنا، عند سفح جبال الحجر، التقى التجار الذين جلبوا البضائع عبر الجبل مع الذين جلبوا البضائع من الساحل. ولا يزال هذا الأمر مستمراً حتى اليوم، ولا تزال نزوى هي السوق الإقليمية، السوق القديم حيث لا يزال هناك قدر كبير من التجارة على قيد الحياة.
افتح يا سمسم في نزوى
ذكرتني قلعة نزوى والسوق وكل ما هو محيط بها ببرنامج افتح يا سمسم.
أثناء سيري في السوق، رأيت رجالًا عمانيين يرتدون ملابس تقليدية، يقفون حول أو خلف طاولات مليئة بالمصنوعات اليدوية والمنتجات الزراعية والمجوهرات الفضية التي تعتبر الأفضل في البلاد. ومن هنا أيضًا اشتريت القلادة الفضية لأعلق عليها حجر أمثيست، والتي لا أزال أرتديها حتى اليوم. أهل نزوى هم سادة الخنجر، المعروفين بأسلوبه وأنماطه المميزة، ويشتهرون بصناعة الفضة بشكل عام. كما يصنعون الأواني النحاسية وأواني القهوة والسيوف والمصنوعات الجلدية والفخارية. كانت معي حقيبة ظهر لا تزيد سعتها عن ٤٠ لتراً لهذه الرحلة وأسابيع قليلة أخرى في أوروبا، وكانت ممتلئة فعليًا؛ ولم تعجبني المساحة المحدودة آنذاك طبعًا!
وبشكل غير مرتب له أبدًا، تكوّن المشهد أمام عيني؛ رجل عماني على دراجة هوائية بثوبه العماني، محاطًا بكل هذه البضائع. الطفلة الصغيرة ذات العشر سنوات في داخلي كان تغنّي”افتح يا سمسم، أبوابك، نحن الأطفال” بأعلى صوتها.

فلج دارس
خلف أسوار السوق، تتحول المدينة إلى اللون الأخضر، وذلك بفضل نظام الري القديم. فلج دارس هو أحد مواقع التراث العالمي، وهو أكبر فلج في عمان، وهو المسؤول عن الحياة في المنطقة. تقوم هذه القنوات، أو الأفلاج، بتزويد المناطق الريفية المحيطة بالمياه التي تحتاجها المزارع بشدة. فعند زيارة نزوى والتجول فيها ستلاحظ أن الزراعة تمارس على نطاق واسع، وتمتد مزارع النخيل الضخمة في المدينة لمسافة ثمانية كيلومترات على طول واديي كلبوه والأبيض.
ومن أجمل الأشياء التي وجدتها في نزوى هي العربات السياحية. فيما الطقس البارد في شهر ديسمبر يومًا مثاليًا للخروج بين المزارع. يصطحبك مرشد محلي عبر الأفلاج، وكان مرشدنا عمانيًا تحدث عن الماء وأهميته هنام ونظام الرّي الذي لم أره من قبل. وفيما كان يتحدث ويشرح، وضعت يدي في القناة فوجدت الماء نظيفًا وباردًا. بارد، على سهل كان تكسوه الشمس منذ الصباح! ماء مرّ بقنوات مظلمة تحت الجبل ووصل إلى أصابعي وما زال يحمل البرد فيه.
نزلنا من العربة وسرنا في الممر القديم، مرورًا بالمنازل الفارغة وأبوابها لا تزال معلقة. لقد وقعت في حب تلك الأبواب، كما هو الحال دائمًا. التفاصيل الصغيرة المنحوتة فيها، أنماط الزينة والقطع الحديدية المرصوصة فيها بعناية. لم تعد هذه البيوت مأهولة بالسكان، ولكنها لا تزال تحمل قصصاً في جدرانها.

لا تعليق