لا أسافر يعني أن هناك أمراً ما خطأ. هذا على الأقل ما يُشعِرني به أصدقائي حين أمكث فترة طويلة في كوالالمبور، خاصة وأنهم يعرفون أن سفري يعني أنني مازلت على قيد الحياة. يبدو الأمر مبالغاً فيه حينما أقول هذا الآن، ولكن جزءاً منه حقيقي. عدم السفر وعودتي الأخيرة إلى كوالالمبور كانت بهدف الاستراحة لشهر واحد، ثم الانطلاق إلى جنوب أفريقيا.
بدا كل شيء غريباً في الأيام الأولى من التوقف عن السفر. كنت أستيقظ قبل الفجر، كما لو أن طائرةً تنتظرني، ثم أتذكر أن لا وجهة اليوم. أُعدّ القهوة بصمتٍ وأجلس قرب النافذة، أراقب الشارع الفارغ، وأفكر كم يشبهني. لم يكن هناك موعد، ولا حقيبة، ولا مطار، ولا فكرة عن الغد. ومع مرور الوقت، صار الصمت مرآة، تعكس وجوهًا كثيرة كنت أتجاهلها. كبرت بين بلدين، السعودية وماليزيا، وكنت أتنقل بينهما كمن يتنقل بين قلبين. هذا الترحال علّمني أن الانتماء مؤقت، وأن البيت لا يُقاس بجدرانه بل بالشعور الذي يتركه في صدرك. لذلك، حين توقفت الرحلات، شعرت أنني فقدت شيئاً أكبر من السفر نفسه. فقدت موقعي في العالم.
كنت أعيش لسنواتٍ على طريقٍ ممتد بين البلدان. أتنقل كما يتنقل الضوء بين الفصول. من ماليزيا إلى ألمانيا، مع توقف متكرر في عُمان، ومنها إلى تركيا والعودة إلى ألمانيا. ظننت أنني وُلدت للحركة، وأن الطريق هو البيت الوحيد الذي لا يخذلني. لكن حين توقف السفر، اكتشفت أن الحركة كانت تخفيني أكثر مما تكشفني.
هل حب السفر (Wanderlust) هو النسخة الأخرى من Fernweh؟
مصادفة، وقعت عيني على مقالة بعنوان: وجع السفر الذي لا يمكنك ترجمته. تتحدث المقالة عن أصل كلمة Fernweh الألمانية، ككلمة غير قابلة للترجمة إلى الإنجليزية (أو ربما أي لغة أخرى). إنها تعني الشعور العارم بالرغبة الملحّة لمغادرة الموطِن. تشير إلى التوق لزيارة الأماكن الأكثر دفئاً حيث الشمس، وأشجار النخيل، وأشجار الليمون وبطريقة حياة مختلفة، أكثر راحة وأقل روتيناً. لفهم أهمية “Fernweh” بشكل حقيقي، علينا أن ندرك تماماً أنه يعني الانفصال التام عن المجتمع المنظم والحياة اليومية التي يعيشها الألمان. وكان السبب في ذلك هو الهروب من جمود المجتمع الذي نشأوا فيه.
هل مررتُ بتجربة تحكي هذا الشعور؟ حدَث عام ٢٠١٨ حين قررت ترك كل شيء.، ومازال يحدث لي الآن! وربما مررتَ أنت بهذا الشعور دون أن تدركه. في بحث أكاديمي بعنوان: في الموطن لكنه خارجه، اثنوغرافيا ذاتية انعكاسية، تشرح كريستيان ألسوب الفرق بين حب التجوال (Wanderlust) و Fernweh: “إن حب التجوال (Wanderlust) بالإنجليزية يعبر عن الشوق للمغادرة. ولكنه لا يزال في إطار السياحة أو السفر القصير لمدة أسبوع أو أسبوعين من المغامرة . في المقابل، فإن المعنى الألماني يحدد أفقاً أبعد، إلى حد يصبح فيه المكوث في الموطن خانقاً ومثبطاً. التوق لترك صحراء المألوف، متطلعين إلى بيئة جديدة بحماس لنختبر اتساع أفقنا واستكشاف جوانب من هويتنا التي تركناها في موطننا.“
كيف تبدو الحياة بدون سفر؟
من الصعب إنكار متعة السفر، إنها تجربة مفضلة للكثيرين. قد يكون السفر بالطبع أمراً مكلفاً للغاية، أو ليس من السهل دائماً تخصيص وقت لذلك. وحتى المسافرين بشكل دائم -كما يحدث لي- يحتاجون أحياناً إلى استراحة. سواء كان ذلك طوعاً أو نتيجة ظروف خارجية، كتضاؤل الميزانية مثلاً. السفر أمر جميل فعلياً، ولكنه صعب أيضاً على جسمك وميزانيتك.
ولكن، حين يتوقف السفر، يبدأ الامتحان الحقيقي للرحّالة. تتعلم كيف تواجه نفسك بلا ضوضاء، بلا وجهة تحميك من التفكير. تتعلم أن الوحدة ليست عدواً، بل مساحة للعودة إلى الداخل. كنت أظن أن الاستقرار نهاية الرحلة، لكنني اكتشفت أنه فصل جديد منها. كنت كل صباح أفتح خرائط العالم على الشاشة، لا لأخطط لرحلة جديدة، بل لأتأكد أن الطريق ما زال هناك. أتفحص الخطوط الزرقاء التي تفصل البحار، وأتخيل المدن التي تنتظرني في الجانب الآخر. ومع الوقت، أدركت أن الحنين لا يعني رغبة في الهروب، بل تذكير بأنني ما زلت حية، وأن الرغبة في الاكتشاف لا تنام حتى لو سكنت الجسد.
تعلمت أن البطء شكلٌ آخر من السفر. أفتح النوافذ لأسمع المطر في كوالالمبور، أراقب القطط وهي تمشي بخطواتٍ هادئة تحت الشرفات، أتابع التغيّر البطيء في لون السماء. كل تفصيلٍ صغير كان يذكّرني بأن العالم لم يتوقف، وأن الحياة تتحرك ببطءٍ لا تراه إلا حين تجلس.
ماذا أفعل حينما لا أسافر؟
بدأت الكتابة تستعيد حضورها. فتحت دفاتري القديمة، تلك التي رافقتني إلى الجزر والغابات والمدن. قرأت ما كتبته في فيتنام حينما سكنت على حافة البحيرة. وعن معبد كيك لوك تونغ في إيبوه حين اكتشفت كيف يمكن للصمت أن يكون صلاة. وجدت نفسي أبتسم وأنا أستعيد تلك اللحظات، وأفكر أن الكتابة هي وسيلتي الجديدة للسفر. كتبت كما كنت أتنفس على الطريق: بلا خطط، بلا تكلّف. أكتب عن الضوء الذي يتسلل إلى الغرف، عن وجوه الناس الذين عبروا حياتي، عن المدن التي علمتني الصبر، وعن الرحلات التي لم أقم بها بعد. كل نصٍّ أصبح تذكرة سفرٍ مؤجلة، وكل صفحةٍ وجهة داخلية لا تحتاج إلى جواز.
أصبحت أكتب لأتذكر لا لأهرب. أكتب لأن الكتابة تعيد ترتيب الفوضى، ولأنها تذكّرني أن كل ما فقدته في الطريق لم يبتعد فعلًا، بل تغيّر شكله. أكتب لأنني ما زلت أؤمن أن الطريق موجود دائماً، حتى لو لم أمشِه اليوم. أما في الليالي الممطرة، حين أسمع الطائرات تمرّ في السماء البعيدة، أبتسم. أعرف أن الرحلة التالية لن تكون بالضرورة على متنها، قد تكون سطراً أكتبه في صمت، أو صباحاً أبدأه بنيةٍ جديدة. الحرية لم تعد في الاتجاهات الأربعة، بل في القدرة على أن أكون هنا، بالكامل، دون خوفٍ من السكون.
اكتشفت في التوقف الطويل معنى جديداً للبيت. لم يعد المكان الذي أعود إليه بعد السفر، بل المساحة التي أتعلم فيها كيف أكون ساكنة دون أن أتجمّد. في بيتٍ صغير بكوالالمبور، يطل على الأشجار والسماء الرمادية، تعلمت كيف أعيش مع المطر لا ضده، كيف أستمتع ببطء اليوم، وكيف أتعامل مع الوقت كصديق لا كعدو.
جديد العالم: العمل عن بُعد
فيما العمل عن بُعد ساعدني في ذلك. كوني رحّالة رقمية علّمني أن المسافات لا تعني الكثير حين تحمل عملك في حقيبتك، وأن الحرية ليست دائماً في الحركة، بل في الاختيار. أعمل من شرفةٍ تطل على المدينة، أكتب بالعربية عن السفر البطيء، عن الترحال، عن الرحلات التي تكتشف فيها نفسك أكثر مما تكتشف العالم. وفي المساء، أفتح حواراتٍ مع أشخاصٍ من بلدانٍ بعيدة عبر الإنترنت، ونتحدث عن الطرق التي تغيّرنا.
وأحياناً، في نهاية اليوم، أعود إلى صوري القديمة. صورٌ التقطتها في تركيا وأستراليا، وفي عمان وكمبوديا، وفي أماكن لا أستطيع تذكّر أسمائها. أُحدّق في ملامحي وأفكر: كم امرأة كنت في كل تلك المدن؟ كم حياة عشت قبل هذه اللحظة؟ حين يتوقف السفر، تدرك أن كل وجهٍ من وجوهك لا يختفي، بل يختبئ في ذاكرةٍ ما، ينتظر أن تستدعيه الكتابة.
تعلمت أيضاً أن التوقف ليس نهاية الحلم، بل طريقٌ آخر إليه. في البداية قاومت، حاولت أن أملأ الوقت بالعمل والمهام، لكن شيئاً فيّ كان يطلب الهدوء. بدأت أمارس التأمل كما كنت أفعل على شواطئ لنكاوي، وأتنفس بعمق كما كنت أفعل قبل الغوص في راجا أمبات. تلك الطقوس الصغيرة أصبحت امتداداً للسفر الذي لا يحتاج إلى حقائب. والآن، بعد شهورٍ من السكون، أرى الأمور بوضوحٍ مختلف. حين يتوقف السفر، يبدأ نوعٌ آخر من الرحلة. الرحلة التي لا تشتري تذكرةً لها، ولا تعبُر فيها الحدود، لكنها تذهب بك إلى الداخل، حيث كل المدن القديمة تسكنك وتنتظر أن تفتح نوافذها.
فكرة “ألا تفعل شيئاً”
منحتني تجربة عدم السفر مجالاً للتفكر في هذا الأمر. كانت الفترة ما بين نوفمبر إلى يناير مزدحمة جداً؛ سافرت خلالها إلى ألمانيا، تركيا، مصر، سلطنة عمان، فرنسا، سويسرا، ثم إيطاليا. كان الأمر مُجهِداً عقلياً وجسدياً للغاية. لذلك جاءت فكرة العودة والاستراحة في كوالالمبور. أعلم أنني حين أعود إلى كوالالمبور أفقِد الرغبة في الخروج من البيت.
الأحداث المحيطة بنا هذه الأيام محبِطة، أتفهّم ذلك جيداً. وهذا يعني أنك غير مجبرٍ دائماً على فعل أي شيء خلال اليوم لمجرّد أن عليك البقاء في بيتك. دعِ الملل يتسرّب إلى داخلك، هذا الأمر ليس سيئاً أبداً، واعطِ نفسك فرصة للتساهل بروتينك اليومي المتسارِع. ما الذي يعنيه أن تبقى في سريرك إلى ما بعد العاشرة صباحاً؟ خذ قسطاً كبيراً من الراحة للتخفيف عن نفسك وجسدك، لقد عمِلت وسعيت كثيراً في السنوات والشهور الماضية. اعتنِ بنفسك..
