يُطلق مسمى الرحالة الرقميون على العاملين عن بعد خلال سفرهم حول العالم. إنها حياة الديجيتال نوماد (Digital Nomad) التي انتشرت مؤخراً، وتُطلق على مَن يستخدمون التكنولوجيا ويطوّعونها لإنجاز أعمالهم وتجاراتهم بينما يسافرون حول العالم طوال العام. والذي يعني أنه يمكنهم كسب معيشتهم من أي بلد، وتنفيذ مهامهم من أي مكان طالما أنهم متصلين بشبكة انترنت جيدة. وهذا ما يجعلهم خلال الترحال حريصون على اختيار دول أو مناطق تسهّل تنقلهم داخل المدن، وسفرهم المستمر في المنطقة. وذلك ليسمح لهم العيش والعمل لكسب قوت يومهم في أي مكان يريدونه. وكل ذلك بدلاً من إنجاز كل المهام المطلوبة في مقر المكتب الثابت، سواء كانوا أفراد أو عائلات.

ببساطة؛ كونك ديجيتال نوماد يمكنك العمل وحضور اجتماعاتك وأداء مهامّك من مقهى في لندن، أو مساحات عمل مشتركة في تشيانغ ماي، أو في نزل في بلدة صغيرة في كولومبيا. يمكنك أن تكون إلى حد كبير في أي مكان في العالم، طالما أن هناك اتصال إنترنت جيد.

الجسر المعلق على نهر كواي في كانشانابوري (Kanchanaburi) أسما قدح تايلاند ٢٠١٨
الجسر المعلق على نهر كواي في كانشانابوري (Kanchanaburi) .أسما قدح، تايلاند ٢٠١٨

مَن هم الرحالة الرقميون؟

إنه ليس لقباً وظيفياً أو مهنة تحصل عليها، فكونك رحالة رقمياً (Digital Nomad) هو أسلوب حياة تختار عيشه.

لقد شاهد الكثير منكم صور المسافرين، يحدقون بعيداً نحو إطلالات على الغابات الاستوائية الجملية في جزيرة بالي. أو يتناولون طعاماً عضوياً في البيرو، أو يشربون الشاي على سجاد فارسي أمام البتراء في الأردن. دعني أخبرك؛ حياة الترحال هذه لا تقتصر على الصور الجميلة التي تراها في انستقرام وفيسبوك. هناك ما هو أكثر من مجرد صور ومناظر جميلة.

على الرحالة الرقميين المسافرين حول العالم أن يعملوا بجد، لعيش أسلوب الحياة هذا. ما تراه من عمل في المقاهي، ثم الاستلقاء على الشاطئ، والحفلات في كولومبيا، ليست سوى جزء صغير من حياة الرحالة الرقميين. فعليهم العمل بجدية ولساعات طويلة من اليوم، مثل كتابة المحتوى أو التحرير أو صناعة الفيديوهات، ونشر أعمالهم. كل ذلك بأنفسهم عادة، وبدون أي مساعدين. ببساطة، هناك جهد جبار، وعمل متواصل على الانترنت لتمويل رحلاتهم وسفرهم.

حياة الديجيتال نوماد

ربما شعرت يوماً أنك عالق في مكانٍ ما، أو مرحلة ما من حياتك. أو تتوق إلى المزيد من الحرية بأكثر مما تقدمه لك عروض العمل الحالية. ولربما كنت تحلم بالكتابة بإحدى المقاهي في إيطاليا، أو على شاطئ البحر في المكسيك.

أؤكد لك بأنك لست وحدك، وأحلام اليقظة التي تغزوك ليست بعيدة المنال أو سخيفة. إن ما يسمى نمط حياة الرحالة الرقميون (Digital Nomad)، والعمل عن بعد، هو أسلوب الحياة الذي تحلم به ما عاد مستحيلاً أبداً. وقد رأينا ذلك واضحاً خلال جائحة كوفيد-١٩، والتي أصبح فيها ٨٠٪ من العالم يعملون عن بعد. وهذا ما يثبت لك أن الترحال في متناول يدك إن كنت على استعداد جهدك والعمل الجاد، وتحمّل بعض المخاطر. فسواء كنت ترغب في مزاولة وظيفتك الحالية بينما تسافر كأحد الرحالة الرقميين، أو مستعداً للتخلي عن أوقات العمل المتعارف عليها. وربما تفكّر جدياً في ترك كل هذا لبدء مشروعك الخاص.

أن تكوني رحالة رقمية في ٢٠٢٢ أسما قدح مدونة سفر ماليزية

هل من الجيد أن تصبح رحالة رقمياً؟

هناك مزايا جيدة لحياة الرحالة الرقميين (Digital Nomad)، مثل العمل عن بعد، بينما تستمتع بالعيش في المناطق الاستوائية الدافئة، والسفر حول العالم، وتكوين صداقات خلال سفرك.

تخيل أن تكسب دخلاً جيداً، أو بعملة أعلى قيمة، فيما تعيش وتعمل من بلد آخر وبتكلفة معيشية أقل. سيمكنك هنا توفير المزيد من المال كل شهر للتقاعد، والعيش في أي مكان في العالم تقريباً بشكل جيد. هذا هو أسلوب حياة الرحالة الرقميين.

فمع التغيرات الطارئة على بيئات العمل مؤخراً، بدأت الحياة الرقمية تقوى أكثر، وأصبحت الوظائف الحضورية تختفي شيئاً فشيئاً. تتنافس الشركات الصغيرة والمتوسطة مع الشركات الأكبر حجماً، والذين يضاعفون اعتمادهم على الأتمتة والذكاء الصناعي. بينما يسعون بجدية لتخفيض الحد الأدنى للأجور. ونتيجة لذلك، تقوم الشركات بتقليص حجم مكاتبها أو التخلي عنها تماماً، وتوظيف العاملين عن بعد، بدلاً من التوظيف الحضوري. كل ذلك في محاولة لتقليل النفقات العامة والمحافظة على الأرباح.

الايجابيات

الأمر المفيد في الترحال هي مساعدتك على الاستمتاع بإجازة طويلة، مع الحفاظ على مصدر دخل ثابت ودون الإخلال بحياتك المهنية. إضافة إلى تميز هذه الدول بالبنية التحتية اللازمة لدعم العاملين عن بُعد والديجيتال نوماد. وتوفر السلع الاستهلاكية، وجميع وسائل الراحة التي تجعل هذه الأماكن وجهات سياحية مثالية. وستجد أن هذه الدول تروج لامتلاكها شبكة انترنت قوية كميزة لبرامج الإقامات.

السلبيات

حياة الترحال وأسلوب حياة الرحالة الرقميين ليست للجميع. تتمثل إحدى العوائق الرئيسية في وجود وظيفة والعمل عن بعد، بساعات عمل مرنة، مع اختلاف التوقيت.  كما أن السفر المتواصل من بلد إلى آخر أمر مرهق خلال هذه الفترة، خاصة مع تغير قوانين الحدود من دولة لأخرى. فيما الحصول على تأشيرة السفر أيضاً ليس مضموناً دائماً. وإذا تم رفض طلب وجهتك التالية لسبب ما، فعليك البحث عن مكان جديد للعيش فيه قبل المغادرة بمجرد انتهاء صلاحية تأشيرتك الحالية.

يسهّل السفر المتواصل من منطقة إلى أخرى من لقاء أشخاص جدد، إلا أنه قد يجعل من الصعب تكوين علاقات شخصية طويلة الأمد. وربما ما لم تتمكن من الإقامة لفترة طويلة في بلدٍ ما؛ فلا فائدة تذكر من ترسيخ علاقاتك في منطقة لن تعيش فيها بعد عام أو نحو ذلك. وقد يُنظر إلى قلة العلاقات على أنه ميزة إضافية للباحثين عن حياة مستقلة منفردة، ولكن فكّر في أثر انعزالك عن العلاقات العاطفية والعائلية لفترة طويلة.

أمعن النظر في نفسك - أسما قدح

أين يسافر الرحالة الرقميون؟

غالباً ما يختار الرحالة الرقمييون (Digital Nomad) مدناً أو مناطق ذات بنية تحتية ممتازة، وذلك بناء على أسلوب الحياة المعتمد على التقنية، والاتصال الممتاز بالانترنت. ولكن ما هي أفضل الأماكن التي يمكن زيارتها للعاملين عن بعد والرحالة الرقميين؟

كشفت دراسة أجرتها Club Med عن الحياة الرقمية وأفضل الأماكن في العالم للرحالة الرقميين. وقد حللوا فيها المعايير المتعارف عليها لتقييم المكان الأفضل في العالم للرحالة الرقميين:

تكلفة المعيشة: متوسط التكاليف الشهرية للحياة اليومية.
السلامة: ما مدى سلامة الناس، مع مراعاة مستويات الجريمة.
متوسط سرعة الإنترنت: مدى سرعة اتصال المنطقة بالإنترنت.
عدد الأنشطة والمغامرات الخارجية: عددها وتوفر الخيارات في المنطقة المحيطة.
عدد أنشطة الاسترخاء: خدمات العناية بالجسم والاسترخاء مثل مركز الصحة والعافية.
درجة المرح: قياس المتعة التي يمكن أن يتمتع بها الرحالة الرقميون في المنطقة من خلال توفر المناطق الترفيهية.
أماكن العمل: عدد المقاهي ومساحات العمل المشتركة في المنطقة.

أين ستعيش إذن؟!

ومثلي، فالعديد من الرحالة الرقميين (Digital Nomad) ليس لديهم عنوان ثابت بالضرورة أيضاً. ولتحقيق الحرية المالية والمكانية، يسافر العديد من الديجيتال نوماد بصورة دائمة. ويعيشون خلال الترحال في دولٍ تكون فيها تكلفة المعيشة منخفضة نسبياً، بينما يكسبون دخلهم بعملة ذات قيمة أعلى من العملة التي يستخدمونها يومياً.

فعلى سبيل المثال؛ يكسب الديجيتال نوماد دخلهم بالدولار أو اليورو. وذلك بالعمل على الانترنت لشركة ما أو عملاء متعددين، لتكوين  رصيد مالي، من مصدر خارج الدول التي يسكنونها. فيما ينفقون بالروبية الإندونيسية، أو البيسو المكسيكي لدفع الإيجار، والمشتريات اليومية.

وهذا ما يسمى بـ”المراجحة الجغرافية”. وهو السر في التوفير، وعيش حياة سهلة، بدون ديون، وتقليل المخاطر المالية. وفي أحسن الأحوال؛ حل جيّد التقاعد المبكر. 

وظائف للرحالة الرقميين

الرحالة الرقميون إما موظفين لدى شركات تسمح لهم بالعمل عن بُعد بالكامل، أو رواد أعمال يملكون شركاتهم، أو عاملين مستقلين يعملون في لحسابهم. ولهذا تجدهم غالباً ما يكونون مالكين لمؤسساتهم الصغيرة الخاصة، ما يجعلهم رياديي أعمال وديجيتال نوماد في الوقت ذاته.

من الرحالة الرقميين صانعي المحتوى، المدوّنين، أو منتجي مقاطع مرئية لرحلاتهم. ومنهم مطوّري البرمجيات، والمصممين، وحتى المترجمين والممرضين. تتنوع المجالات حسب اهتمام الفرد وقدرته على العمل أينما كان، وقدرته على الترحال والتأقلم على الحياة الرقمية. اقرأ تدوينة كيف يعمل الرحالة الرقميون؟ والتي فصّلت فيها الموضوع لتستفيد عند التخطيط لرحلاتك.